20
ويقتبس مسكويه نصا من سقراطيس في موضوع الصداقة بألفاظها، ويقطع النص إلى فقرات حتى يسهل استيعابها وتمثلها، متعجبا مما يعلم أولاده أخبار الملوك والحروب والضغائن دون أن يعلمهم أمور المودة وأحاديث الألفة، وما يحدث للجميع من خير بالمحبة والأنس؛ إذ لا يستطيع أحد أن يعيش دون مودة، حتى ولو كانت الدنيا كلها ضده، بل تكون حاجته إلى المودة أشد، ولا يعادل المودة شيء في الدنيا حتى لو كانت ذخائر جميع الملوك وكنوز قارون؛ مما يدل على انتحال النص؛ فسقراطيس لم يكن يعلم خزائن قارون، وقد تكون قراءة إسلامية لقول صحيح، وكلاهما إبداع. ولا شيء يعادل لوعة صديق، ولا شيء يقوم مقامه. والسلطان إليها أحوج؛ لأنه بها يباشر أمور الرعية أكثر من الاعتماد على أعوانه. عيون الصديق أفضل من عيون الأمن. والنص له ما يقابله في الموروث، ولكن الغاية منه تمثله وابتلاعه في المحيط الواسع.
21
ويعي مسكويه تماما متى يكون ناقلا نصا، ومتى يكون معلقا وقارئا لنص ثان، ومتى يكون مكملا ومبدعا لنص ثالث. ويعلن عن ذلك صراحة في فصل «تأديب الأحداث والصبيان»، يعلن أنه نقل أكثره من كتاب بروسن حتى، ولو كان عنوانا بأكمله دونما شعور بحرج من قال، قلت، ولو كان أكثره نقلا وأقله صفحتين من الكتاب كله، متفقين مع الجو العام في نقطة تطبيقية، جزء في كل، يمكن حذفه دون الإخلال بمنطق الكتاب، مجرد قوسين عارضين يمكن تلخيصها وعرضها أو حذفها. وتصل بداهة هذه النصائح إلى حد البساطة بالرغم من اختلافها من حضارة إلى حضارة، ومن فرد إلى فرد، ومن مذهب إلى مذهب، ومن غاية إلى غاية. والانتقاء أيضا تأليف غير مباشر ما دام متفقا بين المنقول والناقل، الحديث عن النفس بلسان الآخر. وهو موضوع عملي صرف، تأديب الأحداث والصبيان، قد لا يوجد ما يقابله في الموروث، ولكنه متفق في العقل والمصلحة. تبدو الأخلاق عند مسكويه هنا على مستويين؛ الأخلاق الإشراقية والأخلاق العملية، فضائل النفس والنصائح والمواعظ التربوية.
22
ويقتبس مسكويه نصا ثانيا من سقراط في موضوع كيفية اختيار الصديق يتعرف فيه الإنسان قبل الصداقة على الصديق. صحيح أن لأفلاطون محاورة عن الصداقة، لكن النص في أغلبه منتحل، سقراط المثالي المعلم، الشيخ المربي الفاضل يقص عن سقراط. يذكر النص سيرة سقراط مع أصدقائه وإخوته وآبائه، وشكر من يجيب شكره معنويا وليس ماديا، وميله إلى الراحات والتباطؤ في الحركة، ومحبته للذهب والفضة، ومحبته للرياسة، والغناء واللحون، وضروب اللهو واللعب، وسماع المجون والمضاحيك، وهي سلبيات في الصداقة. أما الإيجابيات، فعدم الإكثار من الأصدقاء، والتسليم بعيوبهم؛ إذ لا يخلو صديق من عيب، وهي قيم إسلامية. والضحك الكثير يميت القلب، وأبو بكر صاحب الرسول. سقراط نموذج عملي على الصداقة والصديق. وقد ألف أبو حيان في الموضوع ولم يكتف بالاقتباس. وعندما يحلل مسكويه علاج الحزن فإنه يستشهد بسقراط عندما سئل عن سبب قلة حزنه، فأجاب بأنه لا يقتني ما إذا فقده يحزن عليه، مجرد استشهاد ومثل تاريخي للإيضاح.
23
ويحيل مسكويه إلى الرواقيين في معرض التساؤل عن طبيعة الإنسان خيرة أم شريرة؛ إذ يرى الرواقيون أن الإنسان خير بالطبع ثم يصير شريرا بفعل المجتمع ودوره السلبي في تربية الأفراد.
24
وقد شاع الرأي المضاد قبلهم، أن الإنسان شرير بالطبع ثم يصير خيرا بالتربية والتعليم، بفعل المجتمع ودوره الإيجابي. ثم يأتي جالينوس ويتوسط بين الرأيين؛ فالناس فيهم الأخيار بالطبع والأشرار بالطبع، بصرف النظر عما إذا كان تطور الجدل بين الشيء ونقيضه والمركب بينهما تاريخيا أم بنيويا. ويحال إلى الرواقيين أيضا مع جماعة من الطبيعيين جعلوا البدن جزءا من الإنسان وليس مجرد آلة؛ لذلك جعلوا السعادة في النفس غير كاملة إذا لم تقترب بها سعادة البدن وما هو خارج البدن؛ أي الأشياء التي تكون بالبحث والجد. السعادة عند أفلاطون وفيثاغورس وأبقراط في النفس فقط، وعند الرواقيين والطبيعيين في البدن والنفس، وعند أرسطو ومسكويه في كليهما؛ فالوسط أقرب إلى أحد الطرفين.