تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

وما زالت بعض الألفاظ اليونانية المعربة، مثل الناموس،

15

ويعني في لغة أرسطو التدبير والسياسة، بالرغم من مدحه لنقل أبي عثمان الدمشقي لكتاب فضائل النفس لأرسطو إلى العربية، وينتقل عنه لأنه فصيح في اللغتين اليونانية والعربية، دقيق في المصطلحات، حريص في نقله الألفاظ والمعاني من لغة إلى أخرى.

16

وعند النقل من أرسطو يعلن مسكويه عن ذلك نظرا للوعي الشديد بين النقل والإبداع. كما ترك مسكويه المثل اليوناني الذي ذكره أرسطو، وهو نموذج الآلام مثل أيوب، دون أن يستبدل به مثلا عربيا كما فعل ابن رشد في تلخيص الخطابة.

17

وجالينوس عند مسكويه هو الأخلاقي، لا الطبيب أو المنطقي. وقد اقتصر التوسط بين المذهبين المتعارضين؛ الإنسان خير بالطبع كما يقول الرواقيون، وشرير بالطبع كما يقول الفلاسفة السابقون؛ وينقدهما، ويتوقف الأمر على طبيعة الأفراد، منهم من هو خير بطبعه، ومنهم من هو شرير بطبعه؛ ومن ثم كان جالينوس أقرب إلى الإسلام. وقد حاجج جالينوس كلا المذهبين ببرهان الخلف، إثبات فساد النقيض حتى يثبت النقيض الثاني؛ فلو كان الناس أخيارا بالطبع لتعلموا الشر، إما من أنفسهم لأن بهم قوة تشتاق إلى الشر أقوى من القوة التي تشتاق إلى الخير، وإما أن بهم قوة تشتاق إلى الشر، أو تعلموه من غيرهم لأنهم أشرار بالطبع. ولو كان الناس أشرارا بالطبع لتعلموا الخير من أنفسهم أو من غيرهم؛ وبالتالي يثبت وجود الخير. وهنا يبدو مسكويه مؤسسا الأخلاق على قواعد المنطق والبرهان. وينتهي إلى نفس الرأي المتوسط عند جالينوس مع مزيد من الترجيح بالبداهة والتجربة بعد المنطق والبرهان. ويمكن تصور الناس على مراتب ثلاث كالهرم؛ في القاعدة، وهم الأكثر، الناس أشرار بالطبع؛ وفي الوسط، وهم من على استعداد للخير والشر؛ وفي القمة، وهم الأقلية، الأخيار بالطبع. وعلى هذا النحو جالينوس هو الذي يؤيد مسكويه، وليس مسكويه هو الذي يؤيد جالينوس.

18

ويجمع جالينوس الأخلاق إلى الطب؛ فالأخلاق تبدأ بالطبيعة بنعمة الوجود ثم تتواتر بعد ذلك، تبدأ بالجسد ثم بعد ذلك بالإجادة؛ لذلك كتب جالينوس كتابي «التشريح» و«منافع الأعضاء»؛ فالطب مقدمة للأخلاق. وفي كتابه «أخلاق النفس» يبين موافقة أهل الشر للأشرار لإيجاد الأعذار لأنفسهم أنهم غير متفردين بهذا الرأي، بل ويشاركهم فيه غيرهم طبقا لقواعد الجدل والإقناع، ثم يزيد مسكويه على جالينوس تعرف المرء على عيوب نفسه بعد أن يعرفها؛ إذ إن عيوب نفس كل إنسان خافية عليه؛ ومن ثم وجب أن يختار صديقا فاضلا ويطلب منه أن يبينها له دون أن يغضب من صراحته، بل يغضب من كتمانه، ويطلب منه المزيد دون أن يتضجر أو يتضرر. ولعل العدو في هذا أنفع من الصديق؛ فعدو عاقل خير من صديق جاهل.

19

ويحيل مسكويه إلى أفلاطون وسقراط وفيثاغورس عندما يؤسس الأخلاق على النفس مستعيرا منه تشبيها للنفس الناطقة والنفس البهيمية، مثال الذهب في اللين والانعطاف، والحديد في الصلابة والامتناع. كما استعمل مقالا من بقراطس في موضوع التهور والجبن، مجرد صورة فنية على كبح جماح النفس، مثال السفينة إذا عصفت بها الرياح وتلاطمت عليها الأمواج، يمكن السيطرة عليها عن طريق الملاحين أكثر من السيطرة على القضبان الملتهب. وهؤلاء الثلاثة يمثلون تطور الفلسفة قبل اكتمالها في أرسطو، وقد أجمعوا على أن الفضائل كلها في النفس، وأقسام السعادة، الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، في قوى النفس العاقلة والغضبية والشهوية، وهي فضائل قائمة بذاتها لا تحتاج إلى البدن في شيء. وإذا أشرقت العدالة أشرقت بها كل قوة من قوى النفس لأنها مجموع فضائلها، فتنهض النفس وتؤدي غايتها في قرب الإنسان السعيد من الله تقدس اسمه. والعدالة توسط بين الأطراف؛ لذلك أوصى أفلاطون طالب الحكمة بأن يموت بالإرادة حتى يحيا بالطبيعة في موضوع علاج الخوف من الموت. وعلى الرغم من ارتباط الأخلاق عند أفلاطون بالنفس، وارتباطها عند جالينوس وأبقراط بالبدن، إلا أن مسكويه يجمع بين الاثنين مضافين إلى أرسطو في نظرية متكاملة للأخلاق، تقوم على قواعد البرهان وطهارة النفس وسلامة البدن.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٤٤