تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25

وبالإضافة إلى أعلام اليونان وفرقهم يذكر مسكويه مجموع الحكماء أو الحكماء المتقدمين استشهادا بأقوالهم؛ فقد قال الحكماء إن الإنسان مدني بالطبع، وإن إصابة الهدف أعسر من العدول عنه ولزوم الصواب، وإن صحة اللذة تسوق البدن من السقم إلى الصحة، ومن النقص إلى التمام، والنفس من الجهل إلى العلم ، ومن الفضيلة إلى الرذيلة، وحب الشر للأعداء الذي يجعل صاحبه شريرا. وتذكر أقوال الحكماء مسبوقة ب «لذلك» «ولهذا»، «على ما حكت»؛ فالقول يؤكد ما انتهى إليه مسكويه وليس مصدرا له. كما يستعمل أمثالهم كصيغ في التعبير عن المخزون الفلسفي الأدبي وتشبيهاته، مثل: من يهمل سياسة نفسه لسلطان الشهوة كمن يرمي بياقوتة حمراء من الذهب في نار حتى تصبح كاسا لا منفعة فيها. وضرب الأمثال جزء من حكم الشعوب وأقوال الأنبياء. وكذلك: مثل الملك الموكول بالدنيا، والطرق الثلاثة فيها طريق الخير، وطريق الشر، وطريق لا هو خير ولا هو شر، من عرفها نجا، ومن جهلها هلك، ليس بالموت بل بالحياة. ومثل: الإنسان الشرير كالكهف الذي أضرم فيه النار واختنق فيه اللهيب، كلما كانت هناك محاولات للإطفاء زادته اشتعالا وقوة.

26

وأحيانا تذكر أقوال الحكماء تعبيرا عن براعة العقل، مثل تحليل الانتقام وأثره على القلب، ومتى يكون محمودا عن شجاعة ومذموما عن جبن، وكذلك تحليل العدالة كفعل اختياري لتحصيل الفضيلة، والجور كفعل اختياري لتحصيل الرذيلة. ومع ذلك يترجم المثل في بعض ألفاظه بألفاظ الموروث، مثل ترجمة الهياكل بالمساجد. كما يركب مسكويه قسمة الحكماء على الموروث، ويجعلها مقامات الله عز وجل؛ الأول للموقنين، وهو رتبة الحكماء والعلماء. والثاني للمحسنين، وهي رتبة التوحيد بين العلم والعمل. والثالث للأبرار، وهي رتبة المعلمين خلفاء الله في الأرض. والرابع للفائزين، وهي رتبة المخلصين في المحبة، ورتبة الاتحاد. لا فرق بين الوافد والموروث إلا في الألفاظ، وهي مقدمات الفلاسفة والفقهاء والمجاهدين والصوفية.

27

كما يحيل مسكويه إلى القدماء ورأيهم في الخلق، أو في رأي البعض أنه للنفس غير الناطقة وحدها، بينما رأى البعض الآخر أنه قد يكون للنفس الناطقة بعد قسمة الخلق إلى طبيعي وعادي؛ الأول لا ينتقل من فرد إلى آخر، والثاني يمكن أن ينتقل بالتأديب والمواعظ سريعا أو بطيئا. والانتقال السريع أفضل اعتمادا على قوة التربية. ويعتمد على تشبيه القدماء لقوى النفس الثلاث بإنسان راكب دابة يقودها كلب أو فهد، إن استطاع الإنسان قيادتها عاش سعيدا. ويعيد توظيف هذا المثل تنبيها للنفوس على ما وهب الله، عز وجل، للإنسان ومكنه منه، تركيبا للعقل على الوحي. كما اختلف القدماء في السعادة العظمى؛ إذ ظن البعض أنها لا تحصل للإنسان إلا بعد مفارقته البدن لأنها في النفس وحدها، وجعلوها جوهر الإنسان دون البدن، وهم أفلاطون وفيثاغورس وأبقراط؛ بينما رأى البعض الآخر أنها قد تحصل في الدنيا، وهو رأي أرسطو ومسكويه.

28

ويحيل مسكويه أيضا إلى المتقدمين في مقابل المتأخرين، ويستحسن آراءهم من أن الخير مقصود الكل، والغاية الأخيرة، وقد يسمى النافع كذلك. كما يستعمل لفظ الأوائل الذي لا يشير إلى اليونان بالضرورة، بل قد يشير إلى الفرس أيضا؛ لأنهم لا يسمون الملك إلا من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره، وإلا فهو متغلب؛ فالإحالة إلى الأوائل موجهة بدور الملك في رعاية الدين من تصور الخليفة أو الإمام. وفي أقسام المحبة عند الحكماء يجعلها مسكويه تبدأ بمحبة الوالدين ثم محبة الحكماء؛ فهم بالنسبة لتلامذتهم كالوالدين للنفوس، ثم محبة الله. وفي مرتبة الحكماء يصير العلم صحيحا والعمل صوابا؛ لذلك جعل الحكماء الموت موتين؛ موتا طبيعيا بانتهاء الأجل، وموتا إراديا عن طريق إماتة الشهوات، وكذلك الحياة حياتان؛ حياة طبيعية للبدن، وحياة إرادية بالنفس؛ فيضيف مسكويه البعد الإلهي على بعد الحكماء، ويجعل محبته لله قمة المحبة بعد محبة الحكماء.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٤٦