تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

ويتم تعشيق الوافد في الموروث أيضا في موضوع المحبة. البداية من أرسطو كبناء عقلي خالص، والنهاية أيضا أرسطو بعد أن تمت قراءته قراءة إسلامية، تمثلا للوافد داخل الموروث، وإدخالا للعاشق في المعشوق؛ فتتحول المحبة أو الصداقة أو الوله أو العشق عند أرسطو إلى المحبة الإلهية التي ذكرها أرسطو أيضا حكاية عن إيرقليطس أنها تقع عندما تتشابه الأشياء وتتشاكل لا تختلف وتتباين. ويستدل أرسطو على ذلك بأن صانع المعروف يدعو لصانع المعروف بالسلامة والبقاء وسبغ النعمة، وكذلك يتعاهد المقترض مع المقترض على سلامته حتى يعود إليه القرض لا المحبة، وهذا يدل على حاجة الإنسان إلى الصديق في السراء والضراء؛ في السراء يحتاج إلى المؤانسة، وفي الضراء إلى المعونة، ثم تجاوز أرسطو هذه الألفاظ كلها إلى السعادة الخاصة الخالصة لله ثم للملائكة والمتألهين التي يصل إليها الإنسان، والإنسان وحده عن طريق الفضائل، وهي الأمانة التي اختارها الإنسان وأبتها الجبال والسموات والأرض. ويستعمل جدل المطلق والمقيد، وهما من مباحث الألفاظ عند الأصوليين، لتقييد ألفاظ أرسطو حتى تصب في وعاء الموروث، وإطلاق ألفاظ الموروث حتى تتسع للوافد. يتحدث أرسطو عن الملائكة والله سبحانه تعالى، جل وعز، وعن الإبداع والعناية، وعن الصلاة والصيام.

11

ويتم التعبير عن الإسلام بلغة المحبة والسعادة والصداقة والعقل والخير.

12

وبعد أن يتحول أرسطو من الشخص إلى النموذج، ومن الواقع إلى المثال، يصبح الحكيم الأول، أو الحكيم، أو هذا الرجل، أو الرجل الفاضل. وقد يعني الأول المتقدم في الزمان، مثل الأولية بمعنى المتقدمين في مقابل المتأخرين، وقد يعني الأول في الرتبة والشرف في مقابل الثاني أو الأخير. ويستعمل الحكيم الأول كمثال أو استشهاد أو قول لإثبات شيء يعرفه مسكويه من قبل، مجرد تشبيه أو استعارة أو اقتباس لنقد الفصل بين القول والعمل، بين الرغبة والجهد، بين النية والفعل؛ فالدعوة إلى محبة الأفعال الجميلة لها ثمنها في مجاهدة الترف والبطالة. كما يشار إلى الحكيم في تقسيم أنواع السعادة إلى خمسة أقسام، من اجتمعت له كان هو السعيد الكامل على مذهب هذا الرجل الفاضل، وهي مرتبة من الأدنى إلى الأعلى؛ الأول: صحة البدن، ولطف الحواس، واعتدال المزاج. والثاني: الثروة والأعوان. والثالث: تحسن أحدوثة الإنسان في الناس، ونشر ذكره بين أهل الفضائل، فيكون محمودا مثنيا عليه. والرابع: التنجيم في الأمور عن روية وعزم. والخامس: جودة الرأي، وصحة الفكر، وسلامة الاعتقاد. وأحيانا يستعمل هذا الرجل كمرحلة تاريخية في الفلسفة اليونانية، ما قبله عند الفلاسفة السابقين عليه مثل فيثاغورس وأبقراط وأفلاطون وغيرهم، وما بعده ابتداء منه؛ فأرسطو هو الذي يقسم الفلسفة اليونانية إلى مرحلتين، التاريخ والبناء، الاجتهادات والحقيقة؛ فقد اختلف الفلاسفة قبله في السعادة. ويجمع مسكويه بين الرأيين، بين التطور والبناء، بين اجتهادات الفلاسفة في الحقيقة وبين انكشافها. كما انتهى تطور الوحي من اليهودية إلى المسيحية واكتمل في الإسلام، يجمع أرسطو بين السعادتين في الدنيا والآخرة، ويعطي كلا من البدن والنفس حقهما كما يفعل الإسلام. يراها الفقير في الثروة واليسار، والمريض في الصحة والسلامة، والذليل في الجاه والسلطان، والخليع في الشهوات، والعاشق في المعشوق، والفاضل في المعروف. والفيلسوف يضع كلا منها في مرتبتها عند الحاجة إليها، وهي كلها عند أرسطو وسائل لسعادة أخرى هي السعادة الحقة.

13

ويستعمل مسكويه نفس تشبيه أرسطو كأداة حسية في التعبير؛ فالخطاف الواحد إذا ظهر لا يدل على طبيعة الربيع ولا يوم معتدل واحد يبشر به كذلك. وإذا خص مدير المدينة طائفة بالنظر دون طائفة فإنه لا يستحق اسم الرياسة، وجذب شيء من كل الجهات ينشق وينقطع، وتفسد المحبة المغشوشة كما تفسد الدنيا والدرهم المغشوشان. وقد يستعمل مسكويه حكم أرسطو، وهو المولع بالحكم والأمثال والمواعظ، للاستشهاد بها على ما وصل إليه هو نفسه، مثل: من وجد السعادة الحقيقة فلا ينشغل بالسعادات الظاهرية، فالقديم تأكيد للجديد، والنقل تأييد للإبداع. ولما كان الإسكندر المقدوني تلميذا لأرسطو فإن مسكويه يستعمل نادرة له في موضوع أسباب الغضب والسيطرة عليه برفض تأديب أحد أصحابه لنقده له وانتقاصه منه وعيبه عليه؛ لأنه أبسط لسانا، وأعذر عند الناس، وعفوه عن بعض أعدائه الخارجين عليه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٤٣