4
ويعقد مسكويه خطبه في تناول الخير المطلق والسعادة الإنسانية من أجل معرفة الغاية القصوى التي تطلب بالأفعال الإرادية، ثم يبين اتفاق أرسطو معه فيها؛ فأرسطو هو الشارح، ومسكويه هو المشروح؛ أرسطو هو القارئ، ومسكويه هو المقروء؛ ثم يقوم مسكويه بتجميع كل ما قاله أرسطو في الموضوع وليس اقتفاء أثر كتاب واحد، ثم يسلطه على الموضوع الذي يعرفه مسكويه ليظهر مدى الاتفاق بين الاثنين مع الاستعانة في فهم أرسطو بأقوال المفسرين. وعندما يبدأ مسكويه بذكر الفرق بين الخير والسعادة يذكر ألفاظ أرسطو اقتداء به وتوفية لحقه، الألفاظ وحدها دون المعاني والأشياء طبقا لمنطق التشكل الكاذب.
5
ويقسم أرسطو الخيرات إلى أربعة أنواع كما يرويها فرفوريوس؛ الشريفة، والممدوحة، والتي بالقوة، والنافعة؛ كما يفعل الأصولي في تقسيم الأحكام الشرعية الخمسة. ومعيار القسمة لديه الصورة والمادة؛ فالأفعال الشريفة صورة بلا مادة،
6
ثم ينقل مسكويه ذلك إلى الحضارة الإسلامية، فيجعل ما سماه أرسطو الصورة عطية من الله وموهبة للناس، وتتحقق السعادة عند أرسطو في الدنيا وكذلك في الإسلام. ويتأكد العقل اليوناني بالبداهة العقلية الإسلامية؛ فالعقل أساس النقل. والاستشهاد بأرسطو لإثبات فكرة واضحة، مثل أن الشيء الفاضل أجل من أن يمدح؛ فالمدح زيف،
قتل الخراصون . ويفعل الناموس نفس الشيء في قوله: إن الدنيا ناموس عادل. والناموس من عند الله كما أنه من عند الحاكم أو من الدنيا، ويظل الناموس الإلهي قدوة لها كلها، وهو تصور إسلامي لسنن الكون وسنة الشريعة.
7
ويسهل تعشيق أخلاق أرسطو في الأخلاق الإسلامية؛ نظرا للغاية القصوى التي يترقى إليها الحكيم للوصول إليها بجهده، وهو الله الذي يعين الإنسان ويوفقه. البنية واحدة، والفرق في الألفاظ طبقا لمنطق التشكل الكاذب. بنية العقل عند أرسطو هي نفسها بنية الوحي؛ لذلك يسهل تركيبها في بنية واحدة تكشف عن اتفاق العقل والوحي؛ لذلك نادرا ما يستعمل مسكويه لفظ أرسطو «يقول»، بل يستشهد بنص له لإثبات ما يعرفه مسكويه من قبل. العقل يثبت الوحي ويؤكده؛ فالسعادة عند أرسطو شريفة، وسيرتها ألذ، ولكنها محتاجة إلى سعادات أخرى خارجة حتى تظهر بها، وإلا ظلت كامنة غير ظاهرة، وكان صاحبها كالنائم لا يظهر فعله. أما السعادة الإلهية فإنها تظهر الكامن؛ فالوحي ازدهار للعقل وإكمال له. وكذلك لا يدل مدى تحمل الإنسان للأشياء التي تعرض للبحث على عظمة النفس. أما من لم يعرف السعادة ووصل إليها، فإن القدرة على التحمل تكون موضع اختبار، إما سعادة وهناء، وإما شقاء وتعاسة. وكذلك يقول أرسطو ببقاء النفس ومعادها، جزاء على الأعمال، ويحل الشكوك التي أوردها على نفسه بأن الإنسان يتأثر وهو حي بسيرة أولاده، فالأولى أن يتأثر بسيرته هو بعد الموت طبقا لأعماله الفاضلة. فهذه قراءة إسلامية لحجج أرسطو ضد الشك في بقاء النفس بعد الموت إكمالا للعقل وبالدين، وللفطرة بالوحي. السعادة شيء ثابت، والإنسان متغير؛ ومن ثم ليست السعادة في الموت، بل في الحياة؛ مما يدل على وجود حياة بعد الموت.
8
من السهل إذن تحويل المثالية اليونانية إلى رؤية إسلامية قديما عند حكماء الإسلام.
9
وإذا كانت القسمة العقلية عند أرسطو معقولة دونما حاجة إلى إكمال من الوحي، فإن مسكويه يؤكدها دون أن يضيف عليها شيئا، مثل تقسيم الجائر إلى جائر أعظم لا يقبل الشريعة، وجائر لا يقبل قول الحاكم العادل، وجائر لا يكتسب، بل يغتصب الأموال. الجائر الأول مجدف في الدين، والثاني في السياسة، والثالث في الاقتصاد. كما أن العدالة إما من الناس إلى الله، وإما من الناس إلى الناس الأحياء، وإما من الناس إلى الناس الأموات. الأولى في الدين، والثانية في المجتمع، والثالثة في التاريخ. وبعد أن يثبت مسكويه اتفاق قسمة أرسطو مع العقل والطبيعة يعشقها في الوحي ويكملها به؛ فيذكر العبادة الموصلة إلى الله، ويستعمل ألفاظ الخالق والمخلوق ومصطلحات الشرع، والصلاة والصيام، والإقرار بالربوبية، وإعادة كتابة الوافد بلغة الموروث، وقراءة أرسطو باللغة العربية. يعلن مسكويه عن أرسطو في البداية حتى يتمثل الوافد في الموروث، ثم يضعه في قالبه، ثم إكماله بالموروث حتى يصعب بعد ذلك التمييز بين الاثنين؛ فالعبادات عند أرسطو من أعلى إلى أدنى، تختلف باختلاف الناس طبقات ومراتب، ثم صلوات وصيام وخدمة وهياكل ومصليات وقرابين، ثم الإحسان إلى النفس بتزكيتها، ثم الإلهيات حتى تكمل معرفة الله، وأخيرا الإقرار بالربوبية والاعتراف بالإحسان والتمجيد بحسب الاستطاعة.