1
وبالرغم من تشعب تهذيب الأخلاق إلى مقالات سبع إلا أنه يتميز بوحدة الفكر والإحالة المستمرة إلى بعضه البعض، إحالة اللاحق إلى السابق، والسابق إلى اللاحق. كما يحيل مسكويه إلى باقي أعماله؛ مما يدل على وحدة المشروع والرؤية والتكامل بين أجزائه. ويأتي ترتيب السعادات و«منازل العلوم» في المقدمة، وله صيغ مختصرة «ترتيب العادات»، أو «مراتب العادات»، أو «الترتيب» فقط. ويحال إلى «الرسالة المسعدة» و«صناعة العدد».
2
ويتكون من سبع مقالات يتداخل فيها الوافد والموروث بنسب متفاوتة؛ ففي المقالة الأولى عن الأخلاق النفسية يغيب الوافد ويحضر الموروث الأصيل؛ مما يدل على أن التأليف غير مرتبط بالضرورة بالوافد كنقطة بداية، بل قد يبدأ من الموروث، بالداخل وليس بالخارج. وفي المقالة الثانية الأولوية للوافد على الموروث. وفي المقالة الثالثة أيضا الأولوية للوافد على الموروث حتى يسهل امتصاصه وتفاعله داخل الموروث. وفي المقالة الرابعة، ومعظمها عن العدالة، يحضر الوافد ويغيب الموروث بعد أن اطمأن الموروث إلى قدرته على الاستيعاب والوقوف أمام الوافد. وفي المقالة الخامسة عن الأخلاق الاجتماعية والسياسية، الأولوية للوافد على الموروث، كما هو الحال في المقالتين الثانية والثالثة بعد ظهور الموروث كمصدر ثان مستمر للفكر. وفي المقالة السادسة تستمر أولوية الوافد على الموروث كآخر محاولة لتمثل الوافد واستيعابه كلية. والمقالة السابعة عن الرذائل تنقلب الأولوية للموروث على الوافد باعتبار أن الموروث علوم الغايات، في حين أن الوافد علوم الوسائل. ففي المقالتين الأولى والسابعة، أي في البداية والنهاية، الأولوية للموروث على الوافد، بينما في المقالات الوسطى من الثانية حتى السادسة الأولوية للوافد على الموروث، وكأن الوافد موضوع بين دفتي الرحى، بين المطرقة والسندان في البداية والنهاية .
3
والعجيب أن عند مسكويه، وهو ممثل الحكمة الفارسية، يتصدر الوافد اليوناني على الوافد الفارسي، بل ويتصدر الموروث نفسه.
ومن الوافد يتصدر أرسطو، ثم أفلاطون وجالينوس، ثم أبقراط وسقراط والإسكندر المقدوني والرواقيون، ثم بروسن وفرفوريوس وفيثاغورس وإيرقليطس. ويشير مسكويه إلى كتاب الأخلاق لأرسطو دون تحديد هل هو الأخلاق الكبير أم الصغير، الأخلاق إلى نيقوماخوس، أو الأخلاق إلى أوديموس. وتدل الإحالات إلى أن مسكويه يحاول تأسيس الأخلاق على المنطق (التأسيس النظري)، وعلى التربية (التأسيس العملي)؛ فمثال التأسيس المنطقي للأخلاق: (1) كل خلق يمكن تغيره. (2) لا شيء مما يمكن تغيره هو بالطبع. ∴
لا خلق واحدا منه بالطبع.
بل يحاول مسكويه إثبات صحة كل مقدمة منطقيا كما سيفعل ابن رشد فيما بعد في إثبات زيف كل استدلال وكل مقدمة من حجج الأشاعرة في علم الكلام؛ لذلك يحيل مسكويه إلى كتاب الأخلاق وكتاب «المقولات» لأرسطو في آن واحد. أما التأسيس العملي على التربية فيرى أرسطو، مثل جالينوس ومسكويه، أن الناس ليسوا أخيارا بالطبع كالرواقيين، ولا أشرارا بالطبع، بل فيهم أولئك وهؤلاء، ويمكن الانتقال من أحدهما إلى الآخر بالتأدب والتعليم عند البعض بسرعة، وعند البعض الآخر ببطء؛ ففي مراتب الناس في التعليم يزيد مسكويه على أرسطو منهج المشاهدة والعيان في تربية الأطفال، وليس مجرد تحليل عقلي للفضائل لوضع ما ينبغي أن يكون؛ نظرا للاتفاق عند مسكويه بين العقل والطبيعة، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن؛ فإذا كان كتاب «الأخلاق» عند أرسطو لا ينتفع به الأحداث الحسيون كثيرا، بل الحكماء وحدهم، فإن مسكويه يحاول تعميمه، ويجعله مفيدا للاثنين، للأحداث وللحكماء، انتقالا من الخاصة إلى العامة، ومن النخبة إلى الجمهور، ومن التأمل العقلي إلى الكمال الخلقي، وإسماعا للأحداث لصوت الحكمة حتى يتم تشويقهم إليها والصعود إليها على مراتب، وإبرازا للتمايز بين الآخر والأنا؛ «أرسطو يقول أما أنا فأقول»؛ أرسطو الحكيم فقط، ومسكويه المربي والحكيم؛ وأرسطو صاحب النظر فقط، ومسكويه صاحب النظر والعمل، انتقالا من اليونان إلى المسلمين.