تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما يتدخل الله في تفسير الظواهر الطبية الجسمية أو النفسية؛ فيقال إن الله إذا غضب على أحد من خلقه رماه بالصرع، ثم مواجهة ذلك باليقين العلمي عند جالينوس، العلم في مواجهة الدين.

39

فتمثل الوافد وتنظير الموروث قد يكون نقدا للموروث دفاعا عن الوافد، وقد يكون نقدا للوافد دفاعا عن الموروث. وكما يبدأ الكتاب بالبسملة ينتهي بالحمدلة وطلب العون والتوفيق. وتظهر لغة الطب في الدعاء بجلب المنفعة وتجنب الضرر، وإتقان الله صنع كل شيء. وتتكرر عبارات المشيئة والعلم الإلهي المحيط، والصلاة على خاتم النبيين.

40

ومع الدعاء لله يأتي مدح السلطان، فلا فرق في البناء النفسي بين الاثنين.

41 (ب) وفي كتاب «في المعدة وأعراضها ومداواتها» لابن الجزار أيضا، يبدو أن الطب الجغرافي والاجتماعي لا ينفيان الطب التشريحي؛ فمعروف عن ابن الجزار ربط الطب بالبيئة الجغرافية والاجتماعية، طب الفقراء والمساكين، وطب الصبيان والشيوخ. ولا يغيب أيضا الطب النفسي لعلاج النسيان وتقوية الذاكرة. وتعرض المبادئ العامة للطب التي تجعله أحد فروع الطبيعيات، مثل القوة الجاذبة وهي حارة يابسة، والقوة الماسكة وهي باردة يابسة، والقوة الدافعة وهي باردة رطبة، والقوة الهاضمة وهي حارة رطبة. ويعتمد أيضا كما هو الحال في الكتاب السابق على المراجعة لأقوال السابقين، وعلى الاختبار والتجربة، وإصلاح تجارب السابقين وأدويتهم المركبة، والقياس تحقيق المنفعة في عبارات كثيرة، مثل: وقد جربناه، وقد اختبرناه، وقد اختبرت ذلك بنفسي، وقد امتحنتها، وهو مجرب، وهو نافع، وهو عظيم المنفعة، سريع النجاح ... إلخ. ويحال إلى أجزاء العمل تذكيرا للاحق بالسابق، وحرصا على وحدة العمل.

42

وتمثل الوافد اتساعا وعمقا يتصدر تنظير الموروث؛

43

ففي الوافد يأتي أولا جالينوس، ثم أبقراط، ثم فولس تلميذ أبقراط، ثم أسقليبيادس وديسقوريدس وأفلاطون.

44

وتقل أفعال القول في جالينوس، وتزيد أفعال الشرط والزعم؛ مما يدل على مراجعة الوافد. كما ينقد الجزار أصحاب الكناشات المجردة من الاستدلالات على مواضع العلل والإبانة عن أسبابها المولدة بها، والاشتغال بتركيب الأدوية، وكأن الطب علم معملي خاص. ويحال إلى بعض مؤلفات جالينوس مثل العلل والأعراض، الأعضاء الآلمة، مداواة الإشباع، الصنعة الصغيرة، رسالة إلى أغلوقون ... إلخ. وقد خالف جالينوس أكثر من مرة الأطباء المتقدمين؛ مما يدل على أن تاريخ الطب يمثل تقدما بين مراحله من القدماء إلى المحدثين؛ لذلك يذكر اليونانيون على أنهم فترة تاريخية محدودة، وليسوا كل العلم أو العلم ذاته. كما يذكر لأبقراط «الفصول»، ولفولومس «تدبير الأضداد». كما يحال إلى بعض الحكماء وبعض الأطباء والأطباء القدماء. ويأخذ بعض الأعلام ألقابا، مثل الفاضل لأبقراط احتراما للسابقين، وتحولا من الشخص إلى الرمز. وتستعمل بعض الألفاظ اليونانية المعربة، مثل فيوطس.

45

ويراجع الجزاز على ما قاله جالينوس فيجده متفقا مع النظر والقياس؛ لذلك يحيل إلى قوله حذاق الأطباء والفلاسفة.

46

وفي تنظير الموروث يتصدر يحيى بن ماسويه، ثم محمد بن أحمد عم المؤلف، وإسحاق بن عمران، ثم حنين بن إسحاق، وسابور بن سهل، وابن بطلان، وشمعون الراهب.

47

ويثني على حنين بن إسحاق بأنه من الفلاسفة ومن الحذاق في صناعة الطب.

48

ويذكر حديث نبوي «المعدة حوض البدن، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا اعتلت صدرت بالعلل.»

49

ويبدو فيه ضعف المتن، وليس بقوة «المعدة بيت الداء». ويتفق الحديث مع قول جالينوس؛ فتمثل الوافد وتنظير الموروث ينتهيان إلى نفس الشيء. وكما يبدأ الكتاب بالبسملة ينتهي بالحمدلة، والاستعانة بالله، والتسليم بالمشيئة الإلهية، وبقدرة الله، والدعوة بالتوفيق، والتوكل عليه، ثم يتبادل الله الصفات مع السلطان؛ فلم يؤلف الكتاب للعامة وعوام الناس نظرا لعجزهم عن استيعاب ما فيه من الأدوية والأشربة، إنما ألف للسلطان الواجب الطاعة؛ فطاعة السلطان من طاعة الله.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٣٧