50 (3) البلدي (380ه)
لم يكن الطب نظريا خالصا، بل ارتبط بحياة الناس اليومية، مثل «تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وحفظ صحتهم ومداواة الأمراض العارضة لهم» للبلدي الخاص بطب الأطفال، ويعتني بوجه خاص بالأم، ويرصد كل الأمراض الجديدة، وأشبه بالطب الحديث. يبدأ بذكر الاختلاف ثم الاتفاق بين الأطباء والمشرحين من أجل التنسيق بين الأقوال، والتحقق من صدقها بأسلوب علمي. معرفة الأدبيات السابقة جزء من تاريخ العلم دون التقيد به، بل للتحقق من صدقه بالتجربة التي تقوم على الحس والقياس والمشاهدة، وعلى التصنيف وتعريف الألفاظ دون إطالة أو تكرار.
51
ويتقدم تمثل الوافد عمقا واتساعا على تنظير الموروث. يتصدر أبقراط، ثم جالينوس، ثم فولس، ثم رفوس، ثم أرسطوطاليس، ثم ثاوفرسطس، ثم الإسكندر وأطمورسقس، ثم باليس وديرقيس الحكيم، وديسقوريدس، وهرمس.
52
ويحال إلى مؤلفات كل حكيم؛ مما يدل على الاطلاع على المصادر الأصلية.
53
ويعتبر الأطباء السريان مرحلة انتقال بين الأطباء اليونان والأطباء العرب المسلمين، وذلك مثل المسيح والباب الأنطاكي، والإحالة إلى كتبهم.
54
أما الموروث العربي فيتصدر الطبري (الطبيب)، ثم حنين، ثم سابور وسلمويه واليهودي، والإحالة إلى كتاب سابور الأقرباذين.
55
ونظرا لأن الكتاب تجميع غلبت أفعال القول على أفعال الذكر والتلخيص والوصف والتلخيص، مع التمايز بين اليونانية والعربية. وكالعادة يبتدئ الكتاب بالبسملة، وينتهي بالحمدلة، والاعتماد على المشيئة الإلهية، وعلى عونه وتوفيقه، لا فرق بين دعاء الله ومدح السلطان.
56 (4) أبو الحسن العامري
وتمثل بعض أعمال العامري (381ه) هذا التحول في التأليف من تمثل الوافد إلى تمثل الوافد قبل تنظير الموروث، وهي الشذرات الباقية منها، مثل: (أ) «شرح كتاب المقولات لأرسطو». وهو أدخل في الشروح منه في التأليف طبقا للشكل الأدبي.
57
وهو على نموذج التفسير الكبير عند ابن رشد؛ أي الفصل بين النص المشروح والنص الشارح. وفي كلتا الحالتين، الشرح أو التأليف، يتصدر الوافد الموروث. ويتصدر أرسطو الوافد، ثم الإسكندر، ثم فرفوريوس، ثم قويري وأرمينس، ثم سنبقليوس ويابليخوس، ثم ثامسطيوس وسقراط. ويغيب أفلاطون وأفلوطين؛ ومن ثم يصبح كل ما يقال عن أثر الأفلاطونية المحدثة على الفارابي قولا بلا برهان.
ويتصدر فعل القول تمثل الوافد، وتلك الصياغة النمطية للنقل، ويذكر باقي الشراح لأرسطو باعتبارهم شراحا، وليسوا باعتبارهم حكماء مستقلين عن أرسطو، اتفاقا أو اختلافا معه. وأحيانا يأتي شرح العامري أولا، ثم يتأكد بموافقة قويري أو فرفوريوس له.
58
الإسكندر يفسر قول أرسطو، ويوافقه سمبلقيوس ويامبليخوس.
59
ويتصدر الموروث الفارابي، ثم أبو بشر متى بن يونس، ثم السجستاني والخازن.
60
وواضح من أولوية الفارابي أنه نقطة تحول في التأليف، وأنه هو الموروث الذي استطاع تمثل الوافد؛ فهو جامع الحكمتين، اليونانية والإسلامية. ويذكر الموروث باعتباره شارحا للوافد، ومتمثلا له أسوة بالشراح اليونان، بل وشراحا لهم؛ فالفارابي يشرح الإسكندر شارحا أرسطو، ويضع العامري نفسه بين الشراح؛ مما يؤكد أن الشرح بما يتضمنه من تفسير وتلخيص وجوامع هو أحد أشكال التأليف المبكرة.
ولا يعني الشرح تبعية النص الشارح للنص المشروح بطريقة العبارة الشارحة؛
61
إذ يستدل الفارابي على أرسطو فيما يتعلق بصفة الجوهر أنه يقبل المتضادات التي جعلها أرسطو خاصية الجوهر المطلق، في حين أنها عند الفارابي خاصية الجواهر الأول فقط. كما ينقد الفارابي المفسرين اعتمادا على أرسطو؛ إذ يعتبر الفارابي أن هذا الحد كامل للمتضادين دونما حاجة إلى المفسرين. ويكفي تصريح أرسطو بذلك في تضاد الأمكنة.
62
ويبدو الموروث على علم دقيق بالنص الأرسطي من حيث هو نص مدون، ما فيه وما ليس فيه، في النص الأصلي أو في ترجماته السريانية والعربية؛ إذ يبين أبو جعفر الخازن أن مثال تربيع الدائرة ليس في نص أرسطو، إنما في حاشية الناسخ. كما يلاحظ متى أن الرسم الأول في اليوناني والسرياني، وأن الماهيات تقال لغيرها؛ مما يشكل قول أرسطو. وهو ظاهر الفساد. والموجود في الترجمة العربية لا يخالف قصده؛ فالترجمة العربية أدق من السريانية وأقرب إلى الأصل اليوناني.