12
أما الموروث فإنه لا يتعدى السائل اليهودي عرس بن عثمان بن سعيد الموصلي، وعدم استطاعة أبي إسحاق إبراهيم بن بكوس الرد على تساؤلاته، ولا شيخ ابن عدي أبا سعيد. وقد يكون السائل هو بشر بن سمعان اليهودي اعتمادا على كتاب ابن أبي سعيد عرس بن عثمان بن سعيد اليهودي الموصلي صاحب بني عمران. وقد سأل عيسى بن أسيد عن سبب كون المقولات عشرة، وميله إلى أنها أكثر طبقا لرأي أرسطو. ويكشف السياق عن اشتغال اليهود أيضا بالوافد اليوناني، وليس النصارى وحدهم. وكانت هناك مراسلات بينهما حول الشكوك على أرسطو. ويعتذر ابن عدي عن عدم مناقشة هذه المسائل شفاها مع أبي إسحاق إبراهيم بن بكوس، واستفتاء الشيخ أبي سعيد في ذلك، والاكتفاء بالرد المكتوب في ثقافة تزاوج بين الشفاه والتدوين. كما يظهر أبو بشر متى بن يونس، رضي الله عنه، شارحا لأرسطو، خاصة قاطيغورياس، واعترافا بمشيخته.
13
ويحيى النحوي بين الوافد والموروث.
وتتضح الدوافع الدينية في الأسئلة والأجوبة، ليس فقط من حيث الشكل والأسلوب، بل أيضا من حيث المضمون والتصور؛ فالأسئلة والأجوبة تبدأ بالبسملة وتنتهي بحسبنا الله ونعم الوكيل، والله ولي التسديد، وهو حسبه كافيا ومعينا، وله الحمد المستحق له. لا فرق بين يهودية السائل، ونصرانية المجيب، وإسلام الناسخ والقارئ. كما تتوجه الأسئلة والأجوبة بالدعوات للسائلين والمجيبين بطول العمر والبقاء، وبتأييد الله، وزيادة في العلم، ونفع الناس به، وعز الله، والعشم بالله على التشوق لمعرفة الحق، واللجوء إلى المشيئة الإلهية. وفي الإجابة دعوة بأن يفيض الله على السائل من نور الحكمة، وأن يزيد الله من علمه، ولا يوصف الله إلا بعبارات التنزيه، مثل جل وتعالى، الباري جل اسمه، تقدست أسماؤه، جل ثناؤه إلى خلائقه.
14
أما من حيث المضمون فيتضح التصور الديني للعالم في موضوع العناية الإلهية، هل هي شاملة للكليات الباقية دون الجزئيات الفاسدة كما يقول أرسطو؟ وهو ما اتهم به حكماء المسلمين بإنكار علم الله بالجزئيات، كما قال أرسطو، تحولا من العناية إلى العلم. يرى أفلاطون أن الله علة فاعلة في العالم، ويراه أرسطو مفارقا له، وهو الصراع الشهير عند المتكلمين بين التشبيه والتنزيه عند الأشاعرة والمعتزلة، وبين الإرادة والعقل، بين الغزالي وابن رشد. وهناك من أنكر العناية كلها بالكليات والجزئيات معا إيثارا للنظرة العلمية الآلية، تفسير الطبيعة بنفسها، كما هو الحال عند أفيقورس وديمقريطس؛ فالعناية صفر لا معنى لها ولا وجود لها البتة، وإن كل شيء يجري بالاتفاق، اتفاق الأجزاء التي لا تتجزأ من الأشكال. وهو ما يفسر كل ما في العالم من التغاير.
15 (ج) وفي مقالة «التوحيد» من الوافد يذكر أرسطو والسماع الطبيعي مرة واحدة، ومن الموروث «متكلمي عصرنا» مرة واحدة؛ فهو من حيث الشكل طبقا لتحليل المضمون أقرب إلى تمثل الوافد قبل تنظير الموروث، ومن حيث المضمون أقرب إلى الإبداع الخالص نظرا لطول الرسالة وقلة الإحالة .
16
ويذكر سقراط، كما يذكر زيد وعمرو عند العرب، أو بطرس وبولس في الغرب المعاصر، للدلالة على الشخص المجهول بمعنى «أحد من الناس».
ومع ذلك فالموضوع من الموروث، «التوحيد»، والرسالة محاولة للتحول من الكلام إلى الفلسفة، ومن التشبيه إلى التنزيه، ومن النقل إلى العقل، ومن العقيدة الإسلامية إلى الحكمة الخالدة التي تجمع بين الإسلام والنصرانية؛ فقد اختلف الناس في معنى الوحدانية؛ أنه لا نظير له، وأنه موجود كما يقول أحد متكلمي عصرنا، وأنه مبدأ العدد، وأنه أحد المعاني التي يوصف بها سواه من الموجودات. كما اختلفوا في وحدانيته؛ من كل الجهات، أم أنه واحد من جهة (الذات)، وكثير من جهة أخرى (الصفات)؟ ويراجع ابن عدي كل هذه الأقوال للتثبت من صحتها بعقلية الفيلسوف وبرهانه، وليس بإيمان المتكلم وجدله. ويبطل ابن عدي كل هذه الآراء السابقة، أن الوحدانية تعني نفي الكثرة، وأنه لا نظير له، وأنه الموجود مبدأ المعدودات، أو أنها مشتق من اسم معنى موجود في ذاته، أو أنه واحد من كل وجه. وبعد النفي يأتي الإثبات، إثبات الكثرة داخل الوحدة، ربما دفاعا عن التثليث كعامل موجه. هنا يبدو ابن عدي متكلما متخفيا في صورة فيلسوف؛ فمن المستحيل أن يكون الله واحدا بالقوة يخرج إلى الفعل في جهات كثيرة؛ فهو واحد بالقوة كثير بالفعل، بالرغم مما قد يتضمنه هذا التخارج من حركة وتغير لا يجوزان على الله. وقد كان دليل التمانع شائعا عند المتكلمين، صاغه الأشعري ونسب إليه، وربما كان شائعا قبله في النقاش بين المتكلمين والفلاسفة.