والرسالة مملوءة بالتعبيرات الإسلامية، مثل الخالق تبارك اسمه، الخالق جل وتعالى، الباري تعالى ذكره، الخالق جل ذكره، العلة عز وجل. كما تبدو العبارات الإيمانية داخل الفقرات، مثل: «الله الهادي لكل حقيقة، البادئ بنفع جميع الخليقة، المستعين وعليه أتوكل، وهو حسبي كافيا ومعينا»، وختم المقالة «بحمد الله ذي الجود والحكمة والمحل، ولي العدل، وواهب العقل، حمدا متصلا دائما على حسن توفيقه ومعونته». فالتوكل عليه، والاستعانة به، وبه العون والحسبان والكفاية، وله الشكر الذي يستحقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
17
| ثانيا: الرازي، وابن الجزار، والبلدي، والعامري، وابن هندو
(1) الرازي
ويبدو أن التأليف في مراحله الأولى كان في الطب؛ نظرا للحاجة إليه في مداواة الجنود في الفتوحات الأولى، وبطبيعة الحال يأتي الرازي (313ه) في مقدمة الأطباء الأوائل بكتابيه «المنصوري» و«الحاوي». (أ) في «المنصوري» الطب علم نظري وعملي، صناعة تدبير الجسد وسياسته، ويحتاج العقل إلى التدريب في الصناعات التي يحتاج إليها الإنسان، هو علم غامض يحتاج إلى فهم، وهو قسمان؛ تدبير الجسم الصحيح في حالة الصحة مثل الطب الوقائي، وتدبير الجسم السقيم في حالة المرض وهو الطب العلاجي. يجمع بين التحليل النظري ودراسة الحالات.
1
يغلب عليه الاختصار والإيجاز بالرغم من اتساعه على عشر مقالات. واضح الوصف والأسلوب بالرغم من أعجميته؛ فهو ليس كتابا في الأدب. علمي خالص. دلالته على الفلسفة الطبيعية ليست كبيرة. المقالة الأولى في المدخل في الطب، وفي شكل الأعضاء وهيئتها، تحتوي على فلسفة الطب؛ أي معرفة الأشياء الطبيعية، مثل الأسطقسات والمزاجات والأعضاء والقوى والأرواح والأفعال، ثم معرفة العلل، ثم معرفة الدلائل.
2
ويحيل بعض الكتاب إلى بعض، وتذكير اللاحق بالسابق، مثل تفسير الكتاب بالكتاب.
3
يغلب عليه الوافد في العمق (أربعة أعلام)، ويأتي في المقدمة جالينوس ثم أبقراط ثم أرماسوس ومادريوس.
4
وقد ذكر الوافد كلية في فقرة واحدة عن مصادر الطب اعترافا بجهد القدماء، ورصد الخلافات بينهما، مثل خلاف مادريوس في القول بالأسطقسات. ولا غرابة أن يستعمل فعل «زعم» لجالينوس عندما زعم جالينوس أنه لم ير أحدا ممن يشفي هذا الدواء، وتروى تجارب عن جالينوس، وليس فقط أقواله التي تؤكد ما انتهى إليه الرازي بنفسه.
5
وهي أعلام قليلة نسبيا، وكأن الإبداع في بداية الحضارة كان أكثر من النقل في النهاية، كما هو الحال عند ابن البيطار، ولكن يغلب عليه الموروث في الاتساع على مستوى واحد، (خمسة أعلام) بولس، وأهرون، وحنين بن إسحاق، ويحيى بن ماسويه، والخمار.
6
ولا فرق بين وافد وموروث في تاريخ الطب. وربما صمت الرازي عن باقي المصادر كما صمت ابن سينا. وقد يكون الإبداع مبكرا بعد تمثل الوافد، وقد يكون النقل هو السائد بعد أن يحدث التراكم الداخلي الكافي؛ فالإبداع على درجات من تمثل الوافد إلى تمثل الوافد وتنظير الموروث، على اختلاف النسب بينهما، حتى الإبداع الخالص. ويحيل الرازي إلى بعض العلماء، قدماء الأطباء، الحكماء، بعض القدماء. ويحال إلى اليونانيين؛ مما يدل على التمايز بين الأنا والآخر.
7
ويظهر الوافد، الهند والصين، في أسماء بعض الأدوية على طول تاريخ الطب العربي الإسلامي، مثل الساذج الهندي، والدار صيني، والصمغ العربي؛
8
فالطب مرتبط بالبيئة الجغرافية وأحوال البلدان؛ نظرا لأثر الحرارة في الأجسام، تجعيد الشعر عند الحبشاء، وأدمة العرب، وارتباط الأخلاق بألوان العيون، ودلائل الشعر والحاجب والأنف الجهة والفم والشفة والأسنان، وكأنها بدايات علم الفراسة،
9
بل ويتعرض لبعض المؤسسات الاجتماعية، مثل تسري المماليك،
10
بل يتحدث الرازي عن الأوضاع الاجتماعية لمهنة الطب في «محنة الطبيب»؛