17
ويبين ابن رشد غرضه منذ بداية المقال، الفحص عن القوى الموجودة في البذور والزروع، جوهرها ووجودها، فاسدة أم غير فاسدة، الجنين المحمول قبل أن يتكون، وكل ما تتوق النفس إلى معرفته. ويشعر ابن رشد بمسار فكر أرسطو، مقدماته ونتائجه، خطواته ووحدة مذهبه. ويحيل الأجزاء إلى الكل. يقول أرسطو ويقول ابن رشد. فليس القول حكرا على أرسطو، بل إن قول ابن رشد أكثر من قول أرسطو.
18
ليس الحديث عن البذور والزروع موضوعا قرآنيا مباشرا، وإن كان موضوعا قرآنيا غير مباشر؛ نظرا لوجود الصورة في القرآن؛ ومن ثم فإن اتفاق فلسفة أرسطو مع العقل والطبيعة يجعل من السهل اتفاقها مع الوحي والحكمة الشعبية؛ أي التاريخ؛ فالطبيعة قيمة. ويظهر ذلك من استعمال تعبيرات مثل «أكرم في وصف جسد الطبيعة»، «أكرم من الأسطقسات الأربعة»، واستعمال لفظ إلهي بهذا المعنى التفضيلي يكون به الكرم والشرف. ويبدو أن تمثل الوافد يتم عن طريق إيجاد وعاء عقلي خالص أو طبيعي أو من الوحي اللاشعوري في وعي المؤلف؛ فالوعاء معد ومهيأ لاستقبال الوافد. وعلى مستوى المصطلحات يستعمل ابن رشد اللفظ المعرب «الأسطقسات»، وليس المترجم العناصر، بعد أن تحول بطول الاستعمال إلى لفظ عربي أصله أجنبي، وفي القرآن البعض منه.
19
وتظهر البيئة الدينية للتأليف في البداية بالبسملة، والنهاية بالحمدلة، وطلب العون من الرب، والصلاة والسلام على الرسول وآله، وطلب الرحمة والرضا للمؤلف. إيمانيات في موضوعات طبيعية، لا فرق بين أن يكون ذلك من المؤلف أو الناسخ أو القارئ؛ فالنص عمل حضاري مشترك، وثيقة حضارية تعبر عن موقف واحد.
20
| الفصل الثاني: تمثل الوافد قبل تنظير الموروث
| أولا: المترجمون: ثابت بن قرة، ويحيى بن عدي
(1) ثابت بن قرة
وكما ساهم المترجمون في تمثل الوافد فإنهم ساهموا أيضا في تمثل الوافد قبل تنظير الموروث؛ فهم المؤلفون الأوائل. ولم يظهر تمثل الوافد قبل تنظير الموروث قبل القرن الثالث؛ فقد كان القرن الثاني بداية عصر الترجمة، أي نقل الوافد وقلة التراكم الفلسفي في الموروث. ويغلب على هذا النوع من التأليف علم الطب لحاجة الحضارة القائمة الجديدة إليه في مداواة الجند؛ فهو علم عملي قبل أن يكون علما نظريا جزءا من الطبيعيات عند اكتمال بنية علوم الحكمة عند ابن سينا. لم يكن الموروث في ذلك الوقت يتجاوز الطب النبوي، المرويات في الطب عن الرسول.
ويمثل كتاب «الذخيرة في علم الطب» لثابت بن قرة (288ه) هذا النوع من التأليف. جمعه ابنه سنان ابن قرة، مجرد تجميع علم دون منهج، قياس أو تجربة أو حيل، ولا يوجد أسلوب يعبر عن وحدة العمل وتأليفه، أو تجارب شخصية توحي بممارسة الطب.
1
ولو أن بعض عبارات التذكير بما فات تبدأ أحيانا ربطا للاحق بالسابق.
2
تبدو فيه بداية المصطلحات الطبية مثل الصفة؛ أي تركيب الدواء. ويغلب على أسماء النباتات والأعشاب فيه أسلوب التعريب عن اليونانية مباشرة.
ويتصدر الوافد بطبيعة الحال على الموروث، ويأتي جالينوس في المقدمة، يليه أبقراط.
3
ويعطى لجالينوس لقب الحكيم أو الفاضل، ولأبقراط لقب الفاضل، بداية للتحول الشخصي من الشخص إلى النموذج، وتقديرا للوافد الذي سيظهر عند الكندي كموقف حضاري. ومن مؤلفات جالينوس المحال إليها: تدبير الأصحاء، حيلة البرء، الأهوية والبلدان، الميامير، أغلوقون، طيماوس. وواضح خروج الحكمة الخالصة مثل طيماوس من ثنايا الطب. ومن مؤلفات أبقراط يذكر «الفصول». وتبدو بعض الألفاظ معربة مثل الماليخوليا، الإيلهسيا.
أما الموروث فيأتي ابن ماسويه في الصدارة، ثم حنين بن إسحاق، ثم الحارث بن كلدة طبيب العرب، ثم ابن سرابيون.
4
وتظهر البيئة الدينية الإسلامية أيضا في مؤلفات النصارى نظرا لتحول الإسلام إلى ثقافة يومية للجميع، سواء كان ذلك من المؤلف أو الناسخ أو القارئ أو المالك، مثل البسملة والاستعانة بالله وطلب العصمة والتوفيق وهو الأغلب، والحمدلة والصلاة على الرسول وآله الأكرمين. وتبرز بعض تعبيرات النصارى مثل «إيلاوس»، وتأويله «رب ارحم».