10
ويدافع ابن رشد عن أرسطو ضد سوء تأويل جالينوس له عندما جعل المفاعلات أربعة؛ الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة؛ مع أنهما عند أرسطو اثنان فقط؛ فقد أخطأ جالينوس تصور الأربعة بضرب اثنين في اثنين، فاعل ومنفعل. عند أرسطو الحرارة والبرودة فاعلتان، واليبوسة والرطوبة منفعلتان، وعلاقة الصورة بالهيولى هي علاقة الفاعل بالمنفعل. وخطأ جالينوس قياسه الكل على أنه فاعل ومنفعل كأضداد. ويقوم ابن رشد بدور الحكم والقاضي والإمام الواحد، ويبحث عن سبب سوء التأويل كما يفعل القاضي لمعرفة أدلة الاتهام أو البراءة، اتهام جالينوس، وبراءة أرسطو. وسؤال ابن رشد إلى أي حد يمكن إضافة جالينوس إلى الرأي القديم في المزاج يوافق الأصول الطبيعية، ويدل على البحث عن الأصل، كما هو الحال عند الأصوليين.
11
ولجالينوس مقالة في «المزاج» يبين فيها أن الأمزجة تسع؛ فالدافع على التأليف هو الموضوع، هل الأمزجة تسع كما هو الحال عند جالينوس، أم أربع كما هو الحال عند أرسطو؟ والأمزجة ثمان بالإضافة إلى المعتدل، وهو الموجود في اللحم في جلد الكف وطرف السبابة؛ فالمعتدل في أطراف النوع. وتوجد فيه كيفيات الأسطقسات بمقادير متساوية، من الحار والبارد، والرطب واليابس. وقد غلط جالينوس في إضافة المعتدل إلى الكيفيات الأولى؛ لأنه شبه الأمور الطبيعية بالأمور الصناعية؛ فأرسطو أكثر طبيعية من جالينوس، قايس بينهما، وتصور أن كل واحد منها فاعل ومنفعل.
12
وبالنسبة للمشائين الأمزجة الأربعة مركبة على نحو وجودها في البسائط، ولكن جالينوس وأتباعه لم يفهموا هذا المعنى في فعل الحرارة والبرودة في الرطوبة واليبوسة، وجعلوا كل واحدة من الأربعة فاعلة، وأولوا أرسطو تأويلا بعيدا. والمشاءون مجرد رواة للتاريخ الفلسفي ينقل عنهم جالينوس.
13
ويضع ابن رشد جالينوس مع تاريخ الحكماء، وأنه استدرك ما فات جميع الفلاسفة والأطباء قبله، وتابعه من أتى بعده، ويشكره ابن رشد على حسن صنيعه، ويحكم بينه وبين القدماء، أيهما حق وأيهما باطل، ويشكر صاحب الحق وينبه على غلط صاحب الباطل. ويستشهد بالقدماء؛ فليس كل ما يقوله القدماء خطأ على الإطلاق. وعلى مستوى المصطلحات ما زال ابن رشد يستعمل أيضا اللفظ المعرب «الأسطقسات» مفردا ومثنى وجمعا، وليس المترجم بعد أن استقر، مثل الموسيقى والجغرافيا والفلسفة والسفسطة.
14
ولا فرق في آليات الإبداع بين الشرح والتلخيص والجامع والعرض والتأليف من حيث تحليل أفعال الشعور المعرفي، ومنطق الاستدلال، والتطابق بين المقدمات والنتائج، والمسار الفكري بين البداية والنهاية، والمنطق المعياري باستثناء أفعال القول؛ لأن التأليف لا يبدأ بشرح أقوال. يظهر أرسطو كأحد مكونات التأليف أثناء تمثل الوافد. إنما تظهر أفعال القول للمعترض الذي يرد عليه سلفا طبقا للأسلوب الفقهي. كما تظهر أفعال البيان والإيضاح للغرض والقصد؛ فالتأليف قصدي وليس مجرد تجميع. وتظهر أفعال الشعور المعرفي التي تبين أفعال الفكر في اتجاهه القصدي. فغرض ابن رشد فحص عدد إضافات المزاجات والموجود في كل نوع من الأجسام المتشابهة الأجزاء، سواء كانت لذي نقص أو لم تكن؛ فإن النظر في المزاج يكون ذاتيا أو جسميا. ويبدأ بالإعلان عن القصد، وينتهي بالإعلان عن تحقيق القصد. وتظهر البيئة الدينية كالعادة في البداية والنهاية، بالبسملة والحمدلة، والصلاة والسلام على الرسول، وطلب الرضا عن المؤلف.
15 (ب) وفي «البذور والزروع» يظهر أرسطو وحده دون أي شارح أو أي فيلسوف آخر.
16
ولا توجد إحالات إلى مؤلفات لأرسطو أو لابن رشد؛ نظرا لأنها مكتفية بذاتها. ويبدأ المقال بأرسطو لمعرفة مسار فكره، وهو نفس بنية الموضوع؛ نظرا لوحدة العقل والطبيعة؛ لذلك أتى المقال بسيطا سهلا واضحا. يعرض أرسطو من الداخل عن طريق عرض الموضوع متجاوزا القول في الشروح والملخصات والجوامع. ولا يوجد نقد لأحد، بل فقط بيان الاتساق الفكري الداخلي وحقيقة الموضوع أو موضوعية الحقيقة تمثلا للوافد. ويرفع ابن رشد الاشتباه في فهم أرسطو بين الذي يتحرك من ذاته والذي يتحرك بالمحرك الأول، والشبه مقدمة للاشتباه. الموضوع في ظاهره طبيعي، وفي حقيقته ديني؛ لأن الفكر الديني يفضل النوع الثاني، الحركة بالمحرك الأول على النوع الأول، الحركة الذاتية لأن النوع الثاني يسمح بوجود محرك أول لا يتحرك؛ ومن ثم يمكن إثبات وجود الله. يؤلف ابن رشد في الموضوع ثم يحيل إلى تأليف أرسطو لبيان الاتفاق في النتائج بين حكيمين في حضارتين مختلفتين، وربما بمنهجين مختلفين؛ جزئي عند أرسطو، اتفاق العقل والطبيعة، وكلي عند ابن رشد، اتفاق الوحي والعقل والطبيعة. تمثل الوافد هو إخراج ما بالقوة إلى ما بالفعل في الوافد، إظهار الكامن، قراءة ما بين السطور، دفع الشيء إلى نتائجه الأخيرة، القول في استدلالاته ومعاركه ثم نقله إلى بؤرة الحضارة الجديدة كمرحلة من مراحل التحول من النقل إلى الإبداع.