2
وما زال لفظ «الأسطقسات» معربا هو المستعمل، وحتى الآن. (ب) ولابن باجه (533ه) أعمال صغيرة يتمثل فيها الوافد؛ فقد أتى في القرن السادس بعد أن كانت عملية تمثل الوافد قد تمت؛ ففي «قول يتلو رسالة الوداع»
3
يحيل إلى أرسطو فحسب، ثم يحيل من أعماله إلى الحيوان، ثم السماع الطبيعي، والسماء والعالم، والكون والفساد.
4
فبعد أن يقوم ابن باجه بدراسة الموضوع يستشهد بأرسطو، مثل وجود حسي أبدي في البذر مجانس لأسطقسات الكواكب؛ لأن جوهرها واحد وهو العقل، ومثل حد النفس بأنها استكمال لجسم طبيعي ذي الحياة للنعم في الأولى والآخرة. وهو غير التعريف التقليدي المشهور لتعريف النفس عند أرسطو. أما بالنسبة إلى أعمال أرسطو فإنه يبين أن جوهر الفاعل عقل إلهي، ويحيل إلى السادسة عشرة من كتاب «الحيوان»، فإذا يبين أن به روحانية، كما رأى الأوائل أن السماء مسكن الروحانيين، فإنه يحيل إلى «السماء والعالم» وإلى «السماع الطبيعي». كما يحيل في «التمييز بين الترداد والتردد» إلى آخر المقالة الثانية من «الكون والفساد». ولا يحيل ابن باجه إلى مؤلفات أرسطو وحده، بل يحيل إلى مؤلفاته هو، مثل «رسالة الوداع» و«النفس» و«تدبير المتوحد» و«النبات»؛ تأكيدا لوحدة المذهبين، أرسطو وابن باجه، وتفسير الجزء بالكل.
5 (ج) وفي «الصورة الأولى والمادة الأولى» لا يذكر إلا الحكيم (مرة واحدة) دون أن يعني أرسطو بالضرورة، بل أي حكيم من الوافد أو الموروث في موضوع طبيعي إلهي باعتبارهما علما واحدا؛ فالطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل، والإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى.
6
ويبدو فيها ابن باجه جامعا علم الكندي، ومنطق الفارابي، وإشراقيات ابن سينا. كما يحيل إلى بعض مؤلفات أرسطو؛ فقد تحول الوافد إلى نصوص وليس أشخاصا، إلى مؤلفات وليس مؤلفين، بداية للتحول من الشخص إلى العلم، ومن التراث العلمي إلى العلم ذاته؛ فإذا كانت أول الصورة تحصل في المادة هي صورة الأسطقسات لأنها بسائط الموجودات، يحيل ابن باجه إلى «الكون والفساد» ثم «الآثار العلوية» و«السماء والعالم»، كنوع من الأدبيات السابقة.
7
ابن باجه هو الدارس، وأرسطو هو صاحب الأدبيات في الموضوع قبله. وما زال يستعمل لفظ «الأسطقسات» معربا.
8 (د) وفي «تراتب العقول وخلودها» يذكر من الوافد كتاب «إيضاح الخير» (مرة واحدة)، وليس اسم علم، تحولا من المؤلف إلى النص، ومن النص إلى العلم، كنوع من التأكيد والتثبت من الموضوع الذي درسه ابن باجه من قبل مع تحديد للأبواب الرابع والمائة والخامسة والمائة والسادس والمائة؛ مما يدل على معرفة دقيقة بالكتاب . ولا يذكر مؤلفه نظرا لشهرته لأولوية النص على الشخص، وإمكانية نسبة النص إلى أكثر من شخص، وربما هو كتاب «الخير المحض» المنسوب إلى البغدادي، والمنتحل على النسق الأفلوطيني. والرسالة دينية الطابع، تبين ثلاثة أمور للتقرب إلى الله، ذكره باللسان تمجيدا أو تعظيما، وأخذ الجوارح بما يعطيه القلب، وتجنب ما ينهى عن ذكره أو يشغل القلب عنه، وذلك كله لا يتم إلا بالصبر على الدوام معه. وتنتهي الرسالة بمخاطبة القارئ وتبصرته، إذا أخذ ما فيها كان من المخلصين لله، ولا يتم ذلك إلا بالصبر على إدامته.
9 (2) ابن رشد
وبالرغم من الصورة الشائعة عن ابن رشد (595ه) أنه «الشارح الأعظم»، أي أنه يقوم بتمثل الوافد، إلا أن الشروح والملخصات والجوامع كانت في الحقيقة استعمال الوافد لنقد الموروث، خاصة علم الأشعرية؛ أي الكلام، والفلسفة الإشراقية، خاصة ابن سينا، ولكن يظهر تمثل الوافد في مقالاته الصغيرة المنطقية والطبيعية (ثمانية عشر مقالا) فيما لا يتجاوز مقالين طبيعيين «في المزاج»، و«في البذور والزروع». (أ) «في المزاج». يتقدم جالينوس باعتباره منطقيا وطبيعيا، ثم أرسطو. ويختفي الشراح نظرا لأن المقالة في الطب، وجالينوس هو الطبيب، وليس أرسطو. ويحال إلى القدماء ثم إلى الفلاسفة والمفسرين على العموم. كما يحال إلى «في المزاج» نفسه ربطا لأجزائه وتفسيرا للكتاب بالكتاب، ثم إلى «الكون والفساد» و«الآثار العلوية».