6
ويدل ذلك على أن بطليموس هو الذي يشرح ابن الهيثم، وأن ابن الهيثم هو الدارس، ويستعمل أقوال بطليموس تأييدا له إن كانت مطابقة، أو نقدها ومراجعتها وتصحيحها إن كانت مخالفة؛ لذلك يكثر تردد ألفاظ: صحيح، تصحيح، غلط، خطأ. فابن الهيثم يترك النص ويتجه نحو الموضوع حتى يراه، ثم يعود إلى النص ليراجعه على الموضوع.
7
هنا يرتبط تمثل الوافد بالشرح، إلا أن تمثل الوافد تجاوز للشرح إلى مستوى آخر؛ فهو أول مرحلة من مراحل التأليف، في حين أن الشرح مجرد فهم له على ما هو عليه.
وإن خطأ «مولاي الشيخ» هو تصديق بطليموس في كل شيء، ولكنه يصدق بطليموس من غير برهان ولا حجة، بل تقليدا ونقلا، وكأن أصحاب الحديث لا يصح أن يكونوا علماء لأنهم مجرد نقلة عن الرسول، تعودوا على منهج النقل، وليس على منهج البرهان كما هو الحال عند أصحاب التعاليم. ويصعب عليه تغليط بطليموس وكأنه نبي، مع أن لبطليموس أغلاطا كثيرة في مواضع كثيرة من كتبه؛ فكثير من أقواله في المجسطي متناقضة، يضع أصولا للهيئات ثم يناقضها، وقد كان في نية ابن الهيثم تأليف كتاب في علم الهيئة يرصد فيه أغلاط بطليموس، كما أن له أغلاطا في كتاب المناظر والبرهان على أشكال المرايا. معاني كتاب «الاقتصاص» يبطل أكثرها ويضعف. وألف ابن الهيثم منشورين في العاجل يبين غلط بطليموس في ذلك التدوير.
8 (ب) وفي «الشكوك على بطليموس» يتقدم بطليموس على الإطلاق كي يصبح هو العلم الوحيد، ويتقدم المجسطي ثم الاقتصاص ثم المناظرة.
9
ولا يعني تمثل الوافد مجرد القبول والاستيعاب والتعلم، بل يعني الشك في الوافد ونقده وتجاوزه، كما يدل العنوان؛ من أجل القضاء على تقليده، وتحوله إلى اعتقاد مضاد لتقدم العلم. وقد استمر هذا التيار النقدي للوافد حتى في العصور المتأخرة.
10
فالنقد مشروع حضاري لعدة أجيال، وهو موقف واع مقصود، يعبر عنه ابن الهيثم؛ فطالب الحق ليس هو قارئ كتب المتقدمين وحسن الظن بهم، بل هو الناقد لفهمه، الباحث عن الحجة والبرهان، لا المتبع لقيل وقال، والخصيم للكل دون تحامل أو تسامح حتى يدرك الحق والباطل في كلام القدماء، ويتحقق من صدق أو خطأ أقوالهم.
11
ويستعمل ابن الهيثم عدة مناهج للنقد والمراجعة والتصحيح؛ أولا: منهج اتساق الفكر، وتطابق النتائج مع المقدمات، وعدم الوقوع في التناقض والمحال والشناعة.
12
وقد يكون سبب الغلط اللغة، وسوء استعمال الألفاظ، وعدم دقة المصطلحات. المقياس إذن هو تطابق الفكر مع نفسه، واتباع قواعد القياس؛ فالهيئة التي فرضها بطليموس للكواكب الخمسة باطلة لأنها خارج القياس، وفرض الحركة على دوائر مجردة أيضا خارج القياس؛
13
لذلك يرفض ابن الهيثم التناقض في المعاني والأقوال والتصورات والأصول الصحيحة، كما يرفض ما ينتج من محال وفحش. وقد يكون المقياس هو التناقض مع الواقع؛ فالوجود خلاف القول.
14
وقد تكون المعاني صحيحة، ولكن أوجه الاستدلال تتبين ببراهين أخرى، كما هو الحال في بعض إشكالات كتاب المناظر؛ لذلك تكثر ألفاظ: التناقض في المعنى، المحال في الوجود، الغلط في التصور أو الظاهر، المناقض للأصول الصحيحة، المحال الفاحش في مقابل الصحيح، البين، البرهان.
15
وأحيانا يجد ابن الهيثم لبطليموس العذر لبعض ما نسيه أو أخطائه، مثل نقص البراهين، والقفز على المقدمات، والسهو الذي لا يعتري البشر منه. وأحيانا أخرى ليس له عذر في مواضع ارتكب الخطأ فيها قصدا. ويراجع ابن الهيثم ما قاله في كتاب المجسطي مثلا على ما قاله في كتاب آخر من أجل تفسير العمل كله بعضه ببعض في وحدة المذهب ونسقه الكلي. ويدعم منهجه بالنصوص، واقتباس الأقوال، والإشارة إلى موضع القطع والوصل، وإعطاء فرصة لبطليموس لتأويل صحيح لأقواله بعد عرضها على العقل والتجربة، مع السير خطوة خطوة مع فكره لمعرفة مساره، وأين القفز فيه في الأصل أو الشرح.