تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

ويظهر أيضا هم الاختصار واستبعاد التطويل، خاصة في الرسائل كنوع أدبي، ومع ذلك قد يطيل آخرون لجعل الموضوع أوضح وأجلى.

16

وتظهر البدايات والنهايات الإيمانية في تمثل الوافد، مثل الدعوة إلى العبر، والله أعلم، وقد تظهر في وسط الرسالة بعض الأساليب القرآنية الحرة واحدة تلو الأخرى لتقوية الأسلوب، والإقلال من التعامل مع الخارج، واستعمال الموروث الأصيل كمخزون أدبي.

17

| سابعا: ابن الهيثم، وعلي بن رضوان

(1) ابن الهيثم

ويقوم ابن الهيثم (432ه) بتمثل الوافد الرياضي، والرياضيات جزء من الطبيعيات في علوم الحكمة، ويأتي في المقدمة بطليموس ثم أرسطو ثم أرشميدس ثم إقليدس، وتدل بعض العناوين، مثل «حل شكوك حركة الالتفاف»، «الشكوك على بطليموس»، أن تمثل الوافد لا يعني بالضرورة العرض أو تعشيق الوافد في الموروث، بل قد يعني أيضا النقد والشك في الوافد والمراجعة والتحقق من صدقه. (أ) ففي «حل شكوك حركة الالتفاف» يتم الحوار في الداخل على الخارج، ونقد السابقين الذين تعاملوا مع الوافد وأساءوا تأويله، كما يفعل ابن الهيثم مع «مولاي الشيخ» الذي يكن له احتراما كبيرا بالرغم من ظاهريته وحرفيته في فهم بطليموس؛ فقد أخذ الشيخ كلام بطليموس من غير تأمل أو تأويل، نقلا من غير فهم. ولا يستشهد ابن الهيثم بأقوال بطليموس فقط، بل بأقوال مولاي الشيخ على بطليموس في نص مزدوج، يقرأ ابن الهيثم مولاي الشيخ قارئا بطليموس.

يهز ابن الهيثم السلطة القديمة، سلطة الوافد، أو سلطة الوافد بعد أن يتحول إلى موروث، ويعيد مراجعة النصين على الواقع والتجربة حتى يتقدم العلم ضد تقديس القدماء. وخطأ بطليموس أنه وضع أصولا نظرية ثم ناقضها تجريبيا. ولا يكفي في ذلك منهج الاستشعار الذي استعمله الشيخ؛ أي الإحساس الغامض دون البرهان الواضح، والحكم بالظن دون اليقين.

1

كما أخذ الشيخ الكلام على ظاهره دون تأويل، على التقريب وليس على التحقيق، على العموم وليس على الخصوص؛ مما قد يخرج النص عن قصده.

ويستعمل ابن الهيثم منهج التمييز بين المعاني؛ إذ يرجع خطأ الشيخ أنه لم يختر بين ثلاثة معان؛ مما جعله يتشكك ويبعد عن الحق.

2

ومهمته البيان والتوضيح لأقوال الشيخ ولأقوال بطليموس، وتبديد سوء فهم الشيخ لأقوال بطليموس معيدا قراءة الاثنين لمعرفة أين الخطأ. يبحث ابن الهيثم عن الاتساق بين المقدمات والنتائج، ويراجع مسار الفكر حتى يكتشف التناقض والشناعات والمجالات فيه، والانتهاء إلى النتائج الصحيحة في الاستدلال عن المقدمات الصحيحة في القراءة،

3

بل يفترض ابن الهيثم وجود عدة نسخ للنص المقروء قد يكون اختلافها هو سبب الاختلاف في فهمها.

ويقدم ابن الهيثم منهجا يقوم على ثلاث خطوات؛ الأول: ضرورة تأويل النص وعدم فهمه حرفيا؛ أي إنه ينقد موقف الحشوية، كما فعل ابن رشد. والظاهر والمئول مقولات أصولية. والثاني: أخذ المعاني دون شك، وفهمها بيقين دون ظن، والتوثق من يقينها بالبرهان . والثالث: توضيح المعاني الغامضة وفهمها فهما دقيقا؛ مما يتطلب الجهد والعناء. وبدون هذه الخطوات الثلاث يتحول الموضوع إلى مجرد وهم، عنقاء مغرب.

ويتصدر بطليموس ثم أرسطوطاليس ثم مولاي الشيخ، ومن الكتب يتصدى كتاب «الاقتصاص» ثم المجسطي ثم المناظر.

4

ويراجع ابن الهيثم بطليموس نفسه متجها إلى الأصول الأولى دون التوسط بشرح «مولاي الشيخ» ليرفع التناقضات الموهومة في عمل بطليموس، مستعينا بباقي أعماله، ومصححا الكتاب بالكتاب، المجسطي بالاقتصاص، واستعمال نفس ألفاظه حتى تستبدل بها ألفاظ أخرى لا تفيد نفس المعنى، واكتشاف ما قاله بطليموس بنفسه وما لم يقله.

5

ويحدد في الكتاب المقالة والمكان حتى لا يتحدث انطباعا على الإطلاق.

ويعتذر ابن الهيثم عن بعض أخطاء بطليموس؛ لأن بطليموس نفسه يعتذر عنها ويدخل في فكره، ويصف كيف يتأمل ويفكر ويستدل، بل يتوجه ابن الهيثم إلى مصادر بطليموس عند أرسطو والتمييز بين القول بالحركة عند كل منهما. يبين قصد أرسطو وقصد بطليموس ومدى اتفاقهما واختلافهما؛ فابن الهيثم يقوي النصين معا، ويهيمن عليهما كما يهيمن القرآن على الإنجيل والتوراة، يصدق مضمونهما ويصحح ألفاظهما.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٢٣