4
والمعنى الثاني هو العقل عند المتكلمين؛ أي المشهور في بادئ الرأي عند الجميع، الرأي المشترك عند الأكثر، عقل الأغلبية، إجماع الأمة، وهو عقل محلي صرف لا إشارة فيه إلى أرسطو أو غيره، مبني على أن الأمة لا تجتمع على خطأ. الفلسفة هنا تبدأ من علم الكلام كي تتجاوزه بعد استعماله كوعاء يوضع فيه الوافد فينشأ نتاج جديد من تفاعل الوافد مع الموروث. وعقل المتكلمين ليس هو العقل البرهاني النظري؛ لأن مقدماتهم ليست أولية ضرورية صادقة، بل مستمدة من بادئ الرأي المشترك، يقصدون شيئا ويستعملون شيئا غيره، والعقل الجدلي غير العقل البرهاني، ثم يأتي العقل البرهاني لتصحيح أخطاء المتكلمين. هناك إذن جدل مزدوج للعقل، تصحيح الموروث بالوافد؛ أي تصحيح خطأ المتكلمين ببرهان الفلاسفة، والعقل الجدلي بالعقل البرهاني، والثاني وضع الخارج في الداخل؛ فالفعل الشائع عند أرسطو هو العقل عند الجمهور.
5
والعقل العملي هو الذي يذكره أرسطو في المقالة السادسة من كتاب الأخلاق دون إشارة إلى أرسطو أو ذكره مرة ثانية. يكفي تحديد مكان المقال. وتذكر الأخلاق على العموم بحيث يتحول كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس المحدد إلى علم الأخلاق العام أو إلى موضوع الأخلاق ذاتها، وهو ما يعادل العقل العملي الذي تحدث عنه الفارابي ذاته في فلسفة أرسطوطاليس، والذي يتعلق بالمشيئة والاختيار، وهو جزء من النفس، يحصل بالمواظبة والاعتياد وبطول التجربة. مقدماته إرادية من أجل الفعل أو عدم الفعل، التأثير أو الاجتناب، الإقدام أو الإحجام، وبتعبير الأصوليين الأمر والنهي في صيغتي افعل أو لا تفعل. ويتزايد هذا العقل مع طول العمر، وينمو بالمران، ويتفاضل فيه الناس، ويمكن بعد ذلك في نهاية العمر طلب البرهان النظري عليه.
6
والحقيقة أن هذا التعقل للعقل العملي قد يحدث قبل المشيب، والإنسان ما زال في مقتبل العمر .
7
والعقل النفسي يذكره أرسطو في كتاب النفس على أربعة أنحاء: عقل بالقوة، وعقل بالفعل، وعقل مستفاد، وعقل فعال. ولا تهم أسماء العقول وألفاظها؛ فقد يكون العقل بالقوة هو العقل بالملكة أو العقل الهيولاني، وقد يكون العقل المستفاد هو العقل بالفعل. الأول في مرحلة التعلم، والثاني بعد إتمام التعلم. الأول تطور، والثاني بناء. الأول منهج، والثاني موضوع. ولا فرق بين العقل الفعال ومصدر المعرفة الأول خارج النفس، الوحي أو اللوح المحفوظ أو العلم الإلهي أو الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى، التوراة أو الإنجيل أو القرآن. إنما المهم عملية الانتقال من مرحلة الطبيعة إلى مرحلة العلم، مثل انتقال الجنين في الرحم من مرحلة إلى مرحلة، العلقة فالمضغة فالعظام فاللحم فالروح، أو انتقال الطفل في مراحل تعلمه من سنوات الطفولة إلى سنوات البلوغ، من العلم البديهي إلى العلم المكتسب، من الفطرة إلى التعليم، وكلها تسميات لمسميات، ألفاظ متعددة لمعان واحدة. هي عملية تعليمية، وليست عملية كونية أو عضوية؛ عملية شعورية نظرية، وليست عملية بيولوجية طبيعية مثل الشمعة والنقش عليها، وكأن الحقيقة تنشأ بتركيز العقل، وكما بين الفارابي في نشأة المنطق في كتاب الحروف.
8
العقول الثلاثة الأولى في كتاب النفس وليس في ما بعد الطبيعة، بالرغم من اختصاص ما بعد الطبيعة بنظرية الاتصال. وفي العقل الرابع تظهر لغة الضوء والإشراق، لغة البصر والإبصار والشفافية والانعكاس، فيتحول العقل من الأخلاق إلى المعرفة، وتصبح مقولات الأخس والأشرف والأقدم مقولات أخلاقية معرفية، ويتم الانتقال من الكثرة إلى الوحدة؛ فالصور في العقل الفعال غير منقسمة، بينما في المادة منقسمة.
9 (أ) وفي «المسائل الفلسفية»، وهي إحدى وأربعون مسألة، لا يظهر أرسطو إلا في مسألتين؛ الأولى: المسألة الثلاثون عن حد الخير والشر الإنساني. والثانية والثلاثون في حد النفس، بعد الواحد والثلاثين عن الفرق بين الإرادة والاختيار. وهي مسائل سئل عنها الحكيم الفيلسوف الشيخ وكأنها فتاوى فلسفية، كما فعل ابن رشد في «فصل المقال»، وسؤال عن حكم النظر. عرف الفارابي القوى والملكات والأفعال الإرادية التي إذا حصلت عاقت عن حصول الغرض وهي الشرور، والتي إذا حصلت حصل المقصود وهي الخيرات؛ أي الغاية والتحقق، في حين أن تعريفهما عند أرسطو في كتاب الخطابة أن الخير هو الذي يؤثر لذاته ويتشوقه كل ذوي الفهم والحس، والشر عكس ذلك. وهو تعريف أقل حركية مع أن به الغاية، ومع ذلك يتفق مع تعريف الفارابي. يضع الفارابي حده أولا ثم يستشهد باتفاق أرسطو معه ربطا للماضي بالحاضر، والقديم بالجديد. ولم يكن حد أرسطو النفس بأنها استكمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة جديرا بأن يذكر، ولكنه ذكر بالاقتران مع سؤال الإرادة والاختيار لما كان من مقولات النفس، كما ذكر بالاقتران موضوع الجوهر وقسمته إلى هيولاني وصوري، وقسمة الجسم إلى طبيعي وصناعي، وقسمة الطبيعي إلى ما له حياة كالحيوان، وما ليس له حيوان كالأسطقسات، ثم ذكر الأسطقسات وأنها مبادئ الجواهر المركبة، ثم ذكر الهيولى آخر الهويات وأخسهما، ولولا قبولها الصورة لكانت معدومة بالفعل بعد أن كان معدوما بالقوة، ثم يأتي الحديث عن تناهي الأفلاك وإنكار وجود أي جوهر وراءها أو شيء أو خلاء أو ملاء؛ لأنها موجودة بالفعل؛ وبالتالي فهي متناهية، ولو كان لا متناهيا لكان موجودا بالقوة كما قال الكندي من قبل، والأجرام السماوية كلها موجودة بالفعل. ويستشهد بحكاية أفلاطون عن سقراط أنه كان يمتحن عقول تلامذته، فيقول لو كان الوجود غير منتهاه وجب أن يكون بالقوة لا بالفعل. ويظهر فيها أثر منهج الرواية والخبر في الحضارة الإسلامية.