تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

كما يشير الفارابي إلى الحكيم (مرة واحدة) إشارة إلى التحول من العالم إلى العلم، ومن الشخص إلى الموضوع، كما يحيل إلى سقراط كمثل في قضية بدلا من زيد أو عمرو، ويحيل إلى أسماء كتب أرسطو معربة مثل قاطيغورياس (أربع مرات)، وإيساغوجي، أو ترجمة مثل المقولات والقياس والخطابة، تعاملا مع العلوم وليس الكتب، الموضوعات وليس الأسماء، كما يحيل الفارابي إلى تفسيره كتاب المقولات بمشيئة الله؛ فالإحالة هنا إلى عمل الفارابي، إلى قراءته أرسطو بطريقة حكماء المسلمين، وربط كل أفعاله بالمشيئة الإلهية. يحيل الفارابي إلى أرسطو بأسماء كتبه معربة ، وإلى مؤلفه هو بأسماء موضوعاتها، مثل المقولات والقياس والخطابة. كما تظهر بعض الألفاظ المعربة، مثل «الهيولى» و«الهيولاني» و«الأسطقسات»، بعد أن استقرت وأصبحت أشبه بالترجمة. كما يشير الفارابي إلى القدماء ذكرا للتاريخ، وربطا للماضي بالحاضر، واعترافا بقدر من سبقوه نقدا لهم أو إكمالا لتحليلاتهم، مع الإشارة إلى المتأخرين إحساسا بالزمن وتطوره من القدماء إلى المحدثين.

11 (ب) وفي «عيون المسائل» لم يذكر الفارابي أحدا من اليونان إلا أفلاطون في المسألة الأخيرة من اثنتين وعشرين مسألة في موضوع وجود النفس قبل البدن، ومعه التناسخيون، وفي معرض الرفض والاستنكار والمعارضة، وكذلك وجودها بعد البدن متنقلة في أبدان أخرى كما يقول التناسخيون حرصا على فردية الثواب والعقاب. ذكر أفلاطون إذن في معرض جمع الأخطاء في تصورات النفس، وليس وحده جريا وراءه وتبعية له مع فتح أفق جديد، وهو وجود النفس بعد البدن إثباتا للمعاد، وتصحيحا للتصور اليوناني بالتصور الإسلامي. وتتفاوت مراتب النفوس بعد الموت بما تستحق من ثواب وعقاب؛ فالإنسان مسئول عن ذلك في دنياه كما هو مسئول عن صحة بدنه. ويسترسل الفارابي في الوعاء، ويفيض في شرح التصور الإسلامي المعياري؛ فيذكر عناية الله المحيطة بكل شيء والمتصلة بكل كائن، وبقضائه وقدره يحدث كل شيء خيرا أو شرا. والشر محمود للكائنات الخاضعة للكون والفساد، ولولا الشرور لما كانت الخيرات، واليسير من الشر أفضل من الكثير، والكثير من الخير أفضل من القليل، وكأن اللاشعور يعبر عن مضمون

عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون . وهنا يتحول الفارابي إلى متكلم بين الأشاعرة والمعتزلة؛ فهو أشعري يقول بالقضاء والقدر، ومعتزلي يقول بالمسئولية الفردية. هو أشعري يجعل الشر والخير من الله، ومعتزلي يجعل الشر والخير في نسيج الفعل الإنساني في جدل السلب والإيجاب.

12

كما يشير الفارابي إلى الحكيم (أربع مرات) بطريقة لا شخصية إظهارا للموضوع لا الشخص، وتقديرا لفضل القدماء. المطالب أربعة: الموجب والسالب والكلي والجزئي. ومنها تتكون أشكال القياس. والاستحالة تغير يعرض للجوهر. والحكيم يبحث عن الحقائق الموجودة. كما يحيل إلى القدماء، وليس إلى أرسطو وحده، بل إلى التراث اليوناني كله؛ اعترافا بالتاريخ، وبجهود السابقين، وذكر اختلافاتهم، وحل هذا الاختلاف عند المتأخرين؛ فالتطور يكتمل في البناء كما هو الحال في تاريخ النبوة. كما يحيل إلى قاطيغورياس في السؤال عن الحركة إن كانت من الأسماء المشتركة، فكتب الحكيم جزء من ثقافة الناس يسأل عنها الفارابي ولا يستدعيها من تلقاء نفسه، ويحيل إلى شيء موجود بالفعل.

13 (ج) وفي «فصوص الحكم»، وهو الكتاب الصوفي، يستشهد الفارابي بالأساطير اليونانية؛ جوع بوليموس (مرتين) كدليل على أنه ليس كل جوعان يتوق إلى الطعام إلا بعد كشف الغطاء، محولا الأساطير اليونانية إلى ثقافة شعبية تستقى منها الأمثلة.

14 (ه) وفي كتاب «السياسة» لم يذكر أحدا من القدماء إلا أفلاطون (مرة واحدة) كخاتمة للرسالة، واستشهادا بأقاويله كحكايات ونوادر وأمثال من القدماء، وليس في صلب الرسالة، مجرد أقوال مأثورة كنوع أدبي تختم به الرسالة، وهي أقوال موجزة وكأنها أحاديث الرسول، لها ما يشابهها في الموروث المحلي. ويظهر فعل القول في صيغة المبني للمعلوم، الشخص الثالث المفرد، وهي الصيغة المثلى «قال أفلاطون»، أو «قال» فحسب؛ لأن القول لا يحتاج إلى دقة أو إلى إثبات صحة تاريخية. وصيغة قيل في المبني للمجهول أكثر استعمالا؛ تهربا من الصحة التاريخية، أو لعدم تحديد المواضيع التي اقتبست منها الأقوال. واستعملت صيغة «سئل» في المبني للمجهول، وكان أفلاطون مفت يسأل فيجيب طبقا لأحكام السؤال والجواب عند الأصوليين. ويمكن تصنيف مجموع الاثنين وثلاثين قولا مأثورا التي تحدد علاقات الإنسان مع أطراف أخرى في خمسة موضوعات: الإنسان مع الله، ومع النفس، ومع الأكفاء، ومع الرؤساء، ومع المرءوسين. وهي كلها معان واردة في الموروث، ومقبولة بالعقل والبديهة، وتحسها الفطرة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١٨