تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

لذلك تقل الرسوم التوضيحية، ويختفي الترتيب الأبجدي نظرا للاعتماد على العقل الخالص. تظهر روح إخوان الصفا من جديد، الكل في الكل. ويكثر تقييم التراث الطبي السابق، والحكم بالصحة والبطلان والصواب والخطأ. ويظهر التمايز بين الأنا والآخر في أفعال القول، «أنا أقول».

21

وكما بدأ الفارابي بإحصاء العلوم ينهي داود أيضا بتصنيف العلوم ووضع الطب فيه؛ فالطب جزء من العلوم الطبيعية كالصيدلة والكيمياء والنبات والحيوان والطبيعة، وعلى صلة بالعلوم الرياضية كالحساب والفلك والهندسة والموسيقى، وكلاهما على صلة بالعلوم الإنسانية كالجغرافيا والتاريخ، بل وبالعلوم الشرعية، مثل علوم الحكمة الإلهية الكلامية والفقهية، العقيدة والشريعة، النظر والعمل، على النحو الآتي:

ويتضح من ذلك أهمية الفلك وأثره على العلوم الطبيعية كالطب والصيدلة والطبيعة والكيمياء، بل وعلى الموسيقى، وأهمية الحساب للجغرافيا والتاريخ. والأعلى هو الذي يؤثر في الأدنى؛ مما يعطي الأولوية للعلوم الرياضية على الطبيعية والإنسانية. كما ترتبط العلوم الرياضية بعضها بالبعض مثل الفلك والموسيقى؛ فالكون نغم، والنغم روح. الطبيعة والروح لغة واحدة. شرف العلم طبقا لمرتبته؛ أي لشرف الموضوع، وهو الأعلى الذي يجمع بين المراتب الثلاث، أو لجمعه بين مرتبتين، أو لمدى الحاجة إليه في مرتبة واحدة، وهو المستوى الإنساني.

22

ويحتاج الطبيب إلى كل هذه العلوم؛ فهو من علوم الحكمة، البداية من أعلى، كل علم يؤدي إلى الآخر في نسق استنباطي واحد. الشريعة قاموس إلهي، وجزء من نسق العلم؛ فالشريعة سياسة الأرواح، كما أن الطب سياسة الأبدان. ولا فرق بين العلوم العقلية الرياضية والطبيعية والإنسانية والعلوم النقلية. والنبوة جزء من منظومة العلوم.

ويتضح ذلك النسق في مقدمة الكتاب وتبويبه؛ إذ تشمل على استنباط الطب من الحكمة، ثم تعالج الأبواب الثمانية الكليات، والأسباب، والأحوال والعلامات، والقوانين والوصايا، وهي كلها أمور حكمية. وأخيرا يظهر علم الطب الخاص في الأمراض الباطنة عضوا عضوا، من الرأس إلى القدم، من أعلى إلى أدنى، وفي الأمراض الظاهرة.

23

وداود مثل ابن سينا الرئاسة في القلب، على عكس أبقراط وجالينوس حيث الرئاسة الدماغ؛ مما يعبر عن جوهر حضارتين، القلب والعقل. ويرتبط علم النفس بعلم الطب لوضع علم الطب النفسي أو علم النفس الطبي، أو علم نفس الحواس.

24

وهنا يدخل السحر لأنه من أثر العالم العلوي على العالم السفلي، والفراسة جزء من الطب، معرفة الأمراض عن طريق قوانينها الحسية، معرفة الداخل عن طريق الخارج.

ويعتمد على القياس والتجربة لبيان وحدة الوحي والعقل والطبيعة. ولا ريب من القياس والتجربة على الحيوانات من أجل معرفة شخصية الإنسان؛ لذلك تكثر عبارات «وهذا من مجرباتنا»، «ومن المجرب فيها» ... إلخ. وتظهر العبارات الدالة على مسار الفكر في هذه المرحلة المتأخرة؛ مما يدل على أن الفكر لم يتوقف حتى في عصر الشروح والملخصات، وهي العبارات الدالة على ما يتم وما سيتم.

25

والعمل وحدة واحدة بالرغم من قلة الإحالات إلى مصادر أخرى، مثل «كتاب البلدان». ويظهر أسلوب الاعتراض والرد عليه مسبقا أسوة بالعلوم العقلية، وفي نفس الوقت يخاطب القارئ لمشاركته في الفكر والاستدلال.

26

ومن الوافد يتصدر جالينوس، ثم أبقراط، ثم المعلم والحكيم باللقب وليس بالاسم، ثم فيثاغورس وفوفوريوس، ثم بطليموس وأفلاطون وديمقريطس وديسقوريدس وأندروماخوس ورودس وأنبادقليس وسقراط وخطافورس.

27

كما تظهر صفة يونانية كثيرا؛ مما يدل على التمايز بين الوافد والموروث. ويشار إلى بعض الكتب مثل أسطرنوميا، وأرثماطيقي، وكتب السماع. ومن أسماء الفرق يظهر الحكماء على الإطلاق دون تحديد وافد أو موروث، ثم الفلاسفة. كما تظهر أسماء أماكن مثل رومية والإفرنج. وما زالت بعض الألفاظ اليونانية المعربة حتى هذا العصر المتأخر، مثل أسطغورياس؛ أي المنزل ولوازمه. ولم يعد لفظة الحكمة يشير إلى الوافد، بل الحكمة ذاتها دون تمايز بين الوافد والموروث. ونظرا للبعد عن الوافد يتم التعريف بالبعض؛ فإن أندروماخوس من المشائين، وفوطاغورس يعني صاحب المرتبة أتى بعد أرسطو، وتنقل بعض النصوص المترجمة، بل قد يختفي اللفظ الوافد ولا يبقى إلا الموروث قبل السياسة الملكية والسلطانية. وعندما يشار إلى جالينوس فليس المقصود بداية الوافد عند اليونان، بل استمرار تراثه عند المتأخرين، من حضارة إلى حضارة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١٢٨