44
الأندلس، ويعيدها إلى الإسلام بكرمه،
45
إما الجزيرة كلها أو ما ضاع منها في الشرق؛ فالكتاب يحمل «هموم الفكر والوطن». ويخاطب القارئ؛ فالعلم تجربة مشتركة بين المؤلف والقارئ. ولا يمنع ذلك من طلب التأليف بأمر من السلطان.
46 (3) الطوسي
وفي القرن السابع الذي حمل لواءه الفكر الشيعي في العلوم الطبيعية والرياضية والأخلاقية، يمثل «التذكرة في علم الهيئة» لنصير الدين طوسي (672ه) نموذج التعادل بين الوافد في العمق والموروث في الاتساع؛
47
فمن الوافد يتصدر بطليموس، ثم أرشميدس وإقليدس فحسب. ومن الكتب يتصدر المجسطي، ثم السماء والعالم.
48
ويبدو ارتباط الطوسي ببطليموس شارحا مسار فكره، يدخل فيه ويعلل اختياره أحد الاحتمالين، ثم يتجاوزه إلى ابن الهيثم المتمم له. والحقيقة أن بطليموس هو شارح السيوطي، وارتباط السيوطي به مجرد ارتباط الجديد بالقديم، مثل ارتباط الإسلام بالمراحل السابقة للوحي، المسيحية واليهودية، تطويرا وإتماما لها.
49
ولما ارتبط الفلك بالهندسة تم الاعتماد على أرشميدس ومصادراته لبيان مساحة الدوائر بالتقريب وعلى إقليدس لبيان نسبة الكر إلى الكره، هدفه تنقيح بطليموس من سوء الترجمة والشروح، و«المجسطي» نفسه مجرد رواية عن الفلك القديم في حاجة إلى برهان.
50
لم يتوقف شرح الوافد والتأليف فيه في هذا العصر المتأخر، بل ظهر في نوع أدبي جديد هو التحرير؛ أي إعادة الكتابة والعرض.
51
ومن الموروث يتصدر ابن سينا وابن الهيثم، ثم البيروني والرازي الطبيب والمأمون. ومن البلدان جزائر الخالدات، ثم الحبشة والمغرب ومكة، ثم الأندلس وبرية سنجار والشام ومصر. ومن البحار والخلجان البحر الغربي، ثم البحر النوبي وبحر خوارزم وبحر طبرستان وبحر درنك والخليج الأخضر والخليج الأحمر والخليج البربري وخليج فارس. ويبين الخلاف بين ابن سينا والرازي تطويرا للتراث الفلكي الموروث، ويستأنف أحكامهم مثل حكم ابن سينا على بقعة بأنها من عزل البقاع، وتفسير الرازي ذلك بأنه تشابه الأحوال لأنها في خط الاستواء. كما يعتمد على ابن الهيثم ومؤلفاته، وعلى البيروني وطرقه في معرفة مساحة الأرض. ويذكر طائفة من الحكماء في عهد المأمون.
52
وفي نفس الوقت ينقد علم التنجيم وخرافات المنجمين وأهل الطلسمات ومزاعمهم وإسقاطاتهم البشرية على الأفلاك: الدب والتنين والهواء والدجاجة والعقاب والأرنب والكلب والغراب والسبع والحية والفرس.
53
وقد يكون الدافع على تأسيس علم الهيئة هو التوجه القرآني نحو الطبيعة
تبارك الذي جعل في السماء بروجا ، والتأمل في السماء والأرض؛ فعلم الهيئة مرقاة منصوبة إلى السماء العليا. كما يرتبط في تطوره بالفقه ومعرفة مواقيت الصلاة والصيام والحج. وقد يكون الدافع على الإبداع فيه الرغبة في التنبؤ بحوادث المستقبل، وتحويل التنجيم إلى فلسفة في التاريخ من أجل التنبؤ بقيام الدول وسقوطها. كما تظهر صفات الله مستمدة من علم الهيئة، مثل فاطر السماوات والأرض فوق الأرضين. ويبدأ النص بالبسملة وينتهي بالحمدلة لله مفيض الخير وملهم الصواب، والصلوات على محمد المبعوث بفصل الخطاب، وعلى آله خير آل، وأصحابه خير أصحاب. ويذكر علم الهيئة لبعض الأحباب، ويدعو لهم بتمام التوفيق وحسن المآب.
وقد ارتبط الطوسي بهولاكو، وانقسم إلى حاشيته، كما ارتبط ابن خلدون بتيمورلنك. وأسس له هولاكو مرصد مراغة، ولم يكتف بمجرد الدعوة لله والسلطان. (4) الفارسي
ومع الطب ازدهر الحساب في إيران عند الشيعة في القرون المتأخرة التي ظن أهل السنة أن الفلسفة قد انتهت عند ابن رشد في الأندلس. مثال ذلك «أساس القواعد في أصول الفوائد» لكمال الدين الفارسي (718ه)، مع شرح ابن الخوام البغدادي من نفس القرن،
54
وهي موسوعة رياضية مثل طابع الموسوعات في هذا العصر حفاظا على التراث وتدوينه من الذاكرة. تتضمن علم الحساب في العاملات وقوانين البيوعات، وفي أنواع المساحات للسطوح والمجسمات وعلم الجبر والمقابلة وكيفية استخراج المسائل به. من شرح الوافد يتصدر إقليدس، ثم أرشميدس المجسطي، وتاوذوسيوس، وفيثاغورس.