تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

ولا يوجد إحساس قوي بالتمايز بين الوافد والموروث بعد أن أصبح الوافد موروثا، كلاهما علم يتم تجميعه بصرف النظر عن مصدره ونشأته. وأحيانا تظهر بعض الأسماء التي كانت معروفة في عصرها ولكن شهرتها لم تستمر مثل باقي الأطباء الكبار، وأحيانا يذكر اللقب دون الاسم تحولا من العالم إلى العلم.

من الوافد يمدح حنين بن إسحاق لأنه كان مدققا في علمه بلغة اليونانيين، وهو من أفضل النقلة فيها، إلا أنه لم يثبت في هذا الموضع، فزل بذلك جميع من أتى بعده من علماء عصره. وتكثر أعلام الوافد والموروث لدرجة أنه تقل عدد الصفحات الخالية منها. وأحيانا يذكر اسم العلم واحدا مثل مسيح، وأحيانا كاملا مثل مسيح بن الحكم. وقد ذكر أرسطو راويا عن آخرين.

35

ويظهر هرمس في الطب وليس فقط في الحكمة، وكأنه شخص حقيقي؛ مما يدل على التحول من الأسطورة إلى الشخص، ومن الشخص إلى الأسطورة.

36

ويكثر حضور مصر والمشرق في المغرب على عكس المغاربة المحدثين أنصار القطيعة المعرفية، ومصر هي حلقة الاتصال بين المشرق والمغرب. كما يكثر حضور آسيا بالرغم من بعدها. ويعظم حضور الهند وفارس الجناح الشرقي للحضارة الإسلامية.

كما يحضر الجنوب، أفريقيا، ويكثر الحديث عن البربر، كما هو الحال عند ابن زهر وابن خلدون دون أدنى حرج كما هو الحال في هذه الأيام. كل ذلك يؤكد وحدة العالم الإسلامي كحضارة، وفي نفس الوقت ظهور الخصوصيات الإقليمية في الطب الجغرافي أو الجغرافيا الطبية. علم مرتبط بالواقع البيئي المحلي، سواء في الوافد أو في الموروث. وقد يظهر ذلك سلبا، مثل غياب الدواء في منطقة جغرافية بعينها مثل المغرب أو الأندلس، ويتم الحديث عن الفلاحة الفارسية، وهو غير الفلاحة النبطية.

37

ولا يظهر ابن رشد كثيرا إما لنكبته وضياع كتبه ولأنه لم يعش في التراث التالي له، وإما لأن هذا هو أثره الفعلي في التاريخ، وإن تضخيم دور ابن رشد إنما كان من أثر الرشدية اللاتينية والفكر العربي المعاصر تبعية للاستشراق وهجوما على الجماعات الإسلامية المعاصرة باسم التنوير.

38

والعجيب أن ابن زهر أكثر ذكرا منه، وهو الذي قدمه ابن رشد وطلب منه تأليف كتابه «التيسير».

وأحيانا يقع التقابل بين الأنا والآخر، بين نحن وهم،

39

هو يقول وأنا أقول. وهناك إحساس بتطور العلم وتغير الزمان من الطب القديم إلى الطب الحديث،

40

بل يتطور المؤلف نفسه من مرحلة الشباب إلى مرحلة الكهولة، ويذكر الكندي الذي يكاد يتوارى في التراكم الفلسفي.

41

وقد تغير الوافد القديم من اليونان إلى الوافد الحديث من الغرب؛ أي الإفرنج إيطاليا وفرنسا شمال العالم الإسلامي. فيتحدث ابن البيطار عن بلاد الإفرنج كما سيتحدث ابن خلدون فيما بعد؛ فقد بدأت الحروب الصليبية، وعرف السلمون حضارة الشمال.

42

ويذكر ابن البيطار أسماء المدارس الطبية المختلفة، مثل أصحاب القياس وأصحاب التجربة، وعلى أساسها يقوم تصحيح الأقوال التي تبدأ بلفظ «زعم»؛ لذلك يقول بعد وصف الدواء: «وهو مجرب.» وربما ترجع أخطاء الأقوال عن المفسرين والشراح اللغويين غير الأطباء.

43

بالإضافة إلى ذلك هناك أيضا دراسة الحالة التي تقوم على مشاهدة؛ لذلك يقول: «ورأيته بحد البصر.»

ومن ثم يقوم ابن البيطار بتحليل الموضوع، وهو الأدوية، على مستويات ستة: الدواء، واسمه معرب أو منقول، ولغته يونانية أو لاتينية، وآثاره، أي علاجه، وطرق معرفته التجربة أم النقل، وأماكن وجوده في الشرق أو المغرب أو في بلاد الإفرنج.

وبطبيعة الحال تبدو بعض العبارات الإيمانية من خلال الكتاب بالرغم من قلتها بالنسبة لهذا العصر المتأخر الذي تزداد فيه نظرا لتغلغل الأشعرية والتصوف في الثقافة الشعبية، وربما لأنه مجرد قاموس. تبدأ الأجزاء بالبسملات وتنتهي بالحمدلات. ويستعمل أسلوب القرآن الحر، مثل: لقد جئت شيئا فريا. ويتدخل الله كعلة فاعلة للأمراض والعلاج والشفاء؛ فهو الذي خلق بنية الإنسان، وسخر له ما في الأرض من جماد وحيوان ونبات، وجعلها أسبابا لحفظ الصحة وشقاء الدار. وبعض الأدوية تم الإرشاد إليها في المنام. وكل شيء بمشيئته وإذنه. وقد ذكر الله البقل في القرآن، وأشاد به الشعراء. وتعرف الخليل بن أحمد على الموز في القرآن. وتتم دعوة الله أن يحفظ البلاد،

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١٢٣