| ثالثا: المجوسي، وابن البيطار، والطوسي، والفارسي، وابن الألعاني
(1) المجوسي
كامل الصناعة الطبية، ويسمى أيضا «الملكي»؛ لأنه مهدي لعضد الدولة كما هي العادة في أمهات التآليف.
1
وللمؤلف عدة ألقاب، ومع ذلك فهو المتطبب؛ أي الذي يمارس الطب دون أن يكون بالضرورة حكيما؛ فالطب فرع من الطبيعيات من علوم الحكمة.
2
ويتكون من جزأين؛ الأول في الطب النظري، والثاني في الطب العملي. الأول في فلسفة الطب باعتباره من الطبيعيات؛ لذلك تتضمن مقالاته العشر المفاهيم الطبية الرئيسية، مثل القوى والأفعال والأرواح والعلل والعلاقات والتمييز بين ما هو طبيعي وما هو خارج عن الطبيعي، وطرق الاستدلال.
3
والثاني في الطب العملي؛ أي في العلاج والأدوية. وهنا تتغلب الأدوية المحلية العراقية والفارسية والهندية والبابلية، كما تقل الإحالة إلى أسماء الأعلام من الموروث أو الوافد، وهو أكبر من الأول من حيث الكم؛ لأنه تجميع أكثر منه تنظيرا.
4
وبالرغم من الطابع الشمولي للكتاب وتفصيلاته الشديدة إلا أنه يحيل إلى السابق ويذكر به، ويعد باللاحق ويوعد به.
5
ويغلب زمن الماضي على الحاضر والمستقبل. وأيضا يبين الفكر نفسه بغية الوضوح؛ لذلك تكثر أمثال عبارة «وقد بينا» و«قد شرحنا».
6
كما تستعمل أفعال القول في ضمير المتكلم «فنقول»، «فأقول»، «قلنا»، في أقل القليل. ومعظم الفقرات تبدأ بالأشياء، العلل والأسباب.
7
ويعتمد الملكي على بعض الاقتباسات تنتهي بعبارة «انتهى» التي تعادل قفل القوسين عند المحدثين.
8
ويخاطب القارئ من المتخصصين في صيغة «اعلم ذلك»، وتكثر في الطب النظري عن الطب العملي، أو في صيغة «افهم».
9
وفي التصدير يصف المجوسي الحالة الراهنة للطب في عصره؛ فأبقراط إمام الصناعة، حوى كل شيء في كتاب «الفصول» إلا أنه سلك طريق الإيجاز حتى غمض كثير من معاني كلامه مما يحتاج إلى تفسير. وجالينوس مقدم فاضل وضع كتبا كثير، ولكنه طول وكرر وجادل وعارض؛ مما يحتاج إلى اختصار وتركيز في كتاب واحد يوفي بغرض الصناعة. ولا يوجد كتاب وسط بين التفريط والإفراط إلا «الملكي». وأوريناسيوس قصر في كتابيه لابنيه ولعوام الناس؛ فلم يذكر شيئا من الأمور الطبيعية والأسباب، وكذلك لم يذكر قوليوس في كتابه من الأمور الطبيعية إلا اليسير، وبالغ في بيان الأسباب والعلامات وأنواع المداواة والعلاج باليد، دون أن يتبع طريق التعليم. هذا في الوافد.
وأما المحدثون، أي في الموروث، فلا يوجد إلا كتاب هارون الذي وضع فيه كل شيء، ولكن على طريق الإيجاز من غير شرح واضح. وترجمته سيئة تعمي على القارئ كثيرا من المعاني، خاصة من لم ينظر في ترجمة حنين؛ فكتاب هارون وافد أصبح موروثا. ولم يذكر سرابيون في كتابه إلا المداواة والتدبير، وأسقط العلاج باليد، وترك كثيرا من العلل، ووضع مسيح كتابا مثل هارون، ونحا نحوه في قلة شرح الأمور الطبيعية وغير الطبيعية، مع سوء وقلة معرفته بالكتب السابقة. وهذه مرحلة متوسطة بين النقل والإبداع، مرحلة تأليف الأطباء السريان باليونانية أو السريانية.
ثم بدأت مرحلة التأليف عند الرازي في كتابة «المنصوري» حاويا كل شيء، إلا أنه لم يستقص شرح ما ذكره، واستعمل طريقة الإيجاز والاختصار، ووضع في «الحاوي» كل شيء إلا أنه لم يذكر شيئا من الأمور الطبيعية ولا وجوه التعاليم. وتعني الأمور الطبيعية المسائل النظرية كالأمزجة والأخلاط والأسطقسات، ونقصه الترتيب إلى جمل وأبواب وفصول، ولا أورد ما يوجبه القياس. وجاء عائق الموت قبل إتمامه، مع أنه طول فيه بغير حاجة، جمع فيه ما قاله الأطباء، قدماء ومحدثين.
10
وكرد فعل على هذه الحالة الراهنة للتأليف الطبي في عصره بين الإطناب والإيجاز، وبين النظرية والممارسة، وبين الوضوح والغموض، أتى «الملكي» جمعا بين الطرفين، بالإضافة إلى الاعتماد على الطب المحلي في العراق وفارس، وليس فقط على طب اليونان.