تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأن العلم تجربة حية يخاطب المؤلف القارئ؛ فالتأليف عمل مشترك، رسالة متبادلة بين المعطي والمستقبل. وفي مخاطبة القارئ يظهر قول المؤلف كما تظهر غايته وقصده حتى البيان والإيضاح، وهو القارئ العادي، دعوة له للمشاركة في نفس التجارب والتأمل في النفس للانتهاء إلى نفس النتائج مع غاية الأدب والاحترام له، وكأن ابن باجه يعبر عقليا عن آية

وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون .

25

ويقوم الفن الشعبي أيضا على تجربة مشتركة بين الفنان والمشاهد، مثل قراءة القرآن، كتجربة جمالية مشتركة بين المقرئ والمستمع. ويترك للقارئ الاختيار بين طريقين؛ طريق الكمال المادي بالآلات واليسار، وهو كمال العبيد حتى ولو كان الإنسان حرا، وهو كمال وهمي وإن بدا في الظاهر كمال الصحة، هو كمال الفضائل الشكلية التي يخضع فيها الإنسان لمدبر آخر سواه، فيخرج عن مرتبة الإنسانية إلى مرتبة أشرف الحيوان غير الناطق، كالأسد في الجرأة. وقد يحدث الكمال بالصناعات العملية لخدمة إنسان آخر بتوسط مثل الأعداد للخيل، أو دون توسط كالكلب. والأفضل الكمال النفسي وبالذات، وهو أشرف مراتب الكمال، عندما تستمد الذات وجودها من ذاتها. وهذا هو طريق الحكماء السابقين واللاحقين في وعي تاريخي متصل، من الأنبياء إلى الحكماء، دون تجريح للقدماء أو غلق باب الاجتهاد على القادمين. هو خطاب لمن هو أهل له، اعتراف من حكيم إلى حكيم، وتوجيه من شيخ إلى مريد. وينتهي الخطاب بآية قرآنية مرسلة عن هذا الوعي التاريخي من السلف إلى الخلف، من رضي الله عنهم ورضوا عنه، وفازوا بالفوز العظيم، طريق التأمل متصل قبل ابن باجه ومعه وبعده. يشير ابن باجه إلى معاصريه ولمن لديهم الفطرة على السير فيه. قد يكون القارئ متميزا، وزيرا مثلا ، ومريدا طالب الحكمة مع الدعاء له بطول العمر والبقاء والعزة والعافية. يخاطب المؤلف القارئ، ويجعله طرفا في عملية الفكر في تجربة حضارية مشتركة، ومشاركة المؤلف القارئ ودعوته له تجعل القارئ يكتشف الحقيقة بنفسه استجابة لدعوة المحبة والود والدعوة لطلب الكمال واقتناء الفضائل. وأفضل علم ما تم نقله شفاهيا من الشيخ إلى المريد؛ فإن تعذر لقاء الأبدان يكون لقاء الأرواح عن طريق التدوين. إذا عزت الأذن حضرت العين. وأحيانا يكون العلم استيضاح المدون، سواء من المؤلف أو القارئ؛ مما يتطلب تغيير ترتيب العبارة والأسلوب على نحو أفصح؛ لذلك يشرح المؤلف لمزيد من الإفهام، ويرسل إلى القارئ المدون نفسه؛ فالعلم تبادل، بل إن المؤلف يسمح للقارئ بأن يحسن العبارة ويجعلها أكثر فصاحة وأنصع أسلوبا؛ فالقضية واحدة، والهدف مشترك. العلم إذن على ضربين؛ صناعي وطبيعي. الصناعي ما يتعلمه المتعلم من الآخرين، والطبيعي ما يكتشفه المعلم بنفسه. الأول داخل للنقل، والثاني خارج للإبداع. والعلم مشقة ومعاناة، ممكن بالرغم من زحمة الحياة وضيق الوقت وقصر العمر. العلم هداية من الله وتوفيق منه. فالمتعلم ليس فقط في حاجة إلى الصدق الإلهي لأن العلم كله من الله، وهو أسلوب التأليف منذ الكندي بالرغم مما في الأسلوبين من عجمة لغوية وألفاظ عربية قديمة لم تستمر؛ ربما لأنه أول فيلسوف بالمغرب، مثل الكندي أول فيلسوف في المشرق.

ولا يقل دور الناسخ عن دور القارئ في صياغة النص؛ فالناسخ هو الذي يقدم النص، ويقطعه إلى فقرات، كل منها مسبوق بقال فلان بكنيته أو بلقبه.

26 «قال» «يقول» عادة من الناسخ؛ لأنه جزء من الحضارة، وينتمي إلى النص، ويعتبر نفسه مسئولا عنه مسئولية المؤلف. يتم ذلك مع الموروث والوافد. تعبير «قال أرسطو» لا يدل على تبعية لأرسطو أو تقليد لأقواله، بل هي عادة تقطيع النص إلى وحدات صغرى طبقا للموضوعات. هو عمل إبداعي يدل على فهم تفصيلات الموضوع بتعبير المغاربة المحدثين. وقد يقوم الناسخ بإضافة مقدمة أو خاتمة قبل فعل القول. ويشعر الناسخ بأن ابن باجه مفكر مسلم ينتمي إلى الحضارة الإسلامية ، فيطلب رضا الله عنه. وهو يقطع كلامه في بداية المقال وفي نهايته مع البداية بالبسملة، والدعوة بالتوفيق من الله، والنهاية بالحمدلة والترحم عليه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١١٩