تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

يتفلسف الكندي ثم يستشهد بأرسطو، سلطة القدماء وثقافة العصر، على صدق تفلسفه. أرسطو يأتي بعد الكندي وليس قبله. الكندي هو المقروء، وأرسطو هو القارئ، كما كان ابن رشد هو المشروح، وأرسطو هو الشارح. يأتي الكندي بحججه الداخلية ثم يأتي أرسطو بحجج خارجية؛ فأرسطو هو الذي يتفق مع الكندي، وليس الكندي هو الذي يتفق مع أرسطو. ولو كان هناك خلاف لأعلن عنه؛ فالموافقة تعني احتمال المخالفة. (ح) ويذكر الكندي في «الحيلة لدفع الأحزان» الإسكندر (خمس مرات)، منها أم الإسكندر (مرة واحدة)، وسقراط (ثلاث مرات)، ونيرون (مرة واحدة)، وشخصية الإسكندر الأكبر في الفكر الإسلامي وعلاقته بأرسطو نموذج الملك الفيلسوف والفيلسوف الملك، رفقة الفكر. وقد نسج الخيال العربي الإسلامي قصصا وحكايات وأساطير حول الإسكندر الأكبر وعلاقته بأمه وأستاذه وجنوده، بل ووروده في القرآن في قصة ذي القرنين، وأصبح موطنا خصبا للانتحال. كتب الإسكندر إلى أمه رسالة يوصيها فيها بدفع الأحزان بداية بنداء «يا أم إسكندر»، كما هي عادة العرب. وربما هي قراءة عربية لوصايا الإسكندر، البداية تاريخية، والنهاية إبداعية. ويضرب الكندي بالإسكندر المثل في الحيلة الرابعة لدفع الأحزان؛ الشعور بالتأسي بالماضي، والإحساس بتيار الشعور الجارف. وتظهر عبارات أرسطو ومصطلحاته على لسان الإسكندر، مثل الكون والفساد. هل كان الإسكندر في أقواله وأفعاله فيلسوفا حقا، مخلصا لتعاليم أرسطو، أم أنها قراءة سقراطية أو أرسطية للإسكندر وتحويله إلى مثال؟

18

ويشير الكندي إلى سقراط اللاتيني في حكاية بعد البرهان المنطقي لتصويره في سيرة من لا يحزن؛ لأنه لا يقتني شيئا يحزن لفقده، سواء كان اقتناء الأشياء أو اقتناء العواطف مثل الحب، وتحديده بالأثيني أي المغاير للعربي الإسلامي. كما يذكر الكندي حكاية أخرى للملك نيرون مع الفيلسوف وهو سنيكا دون أن يعينه الكندي بشخصه اكتفاء بالموقف، وتفيد نفس المعنى؛ الفرح الظاهري بامتلاك الشيء الثمين يسبب الحزن على فقده. ولم يلتزم الكندي بنص معين، بل بين احتمال الوضع الأخلاقي للتاريخ. وتدل الحكاية على حضور الوافد الروماني مع الوافد اليوناني. وأخيرا يقوم الكندي بتصحيح أقوال اليونان باعتباره مسئولا عن تراث الأقدمين؛ فيصحح قول أبسقلاس في المطالع، ويراجع اختلافاتها بعد مراجعة كتب القدماء في علم حقيقة الكواكب ومعرفة ماهيتها، وينقد أرسطو القدماء اعترافا بإمكانية تقصيرهم كبشر.

19 (2) آليات الإبداع. وكما جرت العادة في محاولة وضع منطق للفكر ونشأة النص وتكوينه في آليات الإبداع في الشرح والتلخيص والعرض، فإنه يمكن اتباع ذلك أيضا في التأليف وعلى نسب متفاوتة. وأول شرط للإبداع هو التمايز بين الأنا والآخر؛ فبالرغم من هذه القدرة على تمثل الوافد واحترام القدماء وتعظيمهم، إلا أن هناك تباينا وتمايزا وتقابلا بين الأنا والآخر، والحديث عن الأنا بضمير المتكلم الجمع، منفعتنا، منافعنا، لساننا، مطلوباتنا، شكرنا، زماننا، مددنا؛ ومن الأفعال أشركونا، أفادونا، خرجنا؛ ومن الأدوات لنا، عندنا، قبلنا؛ وذلك مقابل الآخر في ضمير الغائب المفرد والجمع، الاسم والفعل مثل هم؛ إنهم قصروا، سهلوا، فكرهم. وأرسطو فيلسوف اليونانيين، وليس فيلسوف المسلمين، وصفا للتمايز بين الأنا والآخر؛ وسقراط الأثيني، وليس البغدادي أو البصري.

20

ويستعمل الكندي لغة التقنين لغة معيارية، وليست تقريرية وصفية؛ «ينبغي أن ...» «يحسن بنا ...» مثل لغة الشراح، وكأن الفلسفة أمر معياري بناء على طبيعة العقل؛ لذلك كثيرا ما يبدأ الكندي بمصادرات أخلاقية عملية بديهية معيارا للحكم.

21

ومع ذلك فإن الفلسفة عند الكندي ليست نسقا جاهزا أو معرفة مسبقة، بل هي عملية تفلسف؛ فلا يوجد فلاسفة، بل متفلسفون؛ ولا توجد فلسفة، بل تفلسف؛ أي البحث عن الحق تواضعا وليس غرورا، تساؤلا وليس اعتقادا، وينقد الكندي متفلسفة العصر، ويوجه الإبداع كله نحو العصر من أجل نقده واكتشاف أوضاع الزيف فيه. وتبدأ الرسائل بمخاطبة القراء، جمعا وفردا؛ فالقضية اجتماعية، والفكر تجربة مشتركة، والمؤلف صاحب رسالة، والتأليف خطاب بين المؤلف والقارئ، الخطاب علاقة بين ذوات، وليس علاقة بين موضوعات، مع استعمال عديد من الأساليب الإنشائية، مع الدعاء لمن كتب له الرسالة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١٢