تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

والانتقال من القديم إلى الحديث هو انتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن الصعوبة إلى السهولة، وكان تطور الحضارات كما برز في تطور الفلسفة هو نحو مزيد من الإيضاح والسهولة.

14

ويكون كل تأليف بلغة عصره وعادة أهل الزمان؛ فلكل عصر أسلوبه ولغته ومستوى ثقافته، وطبقا للجهد البشري بالرغم من بقاء بعض المصطلحات المعربة من عصر إلى عصر آخر مثل «الأسطقسات». (و) ثم يذكر أرسطو (مرة واحدة) مع أفلاطون (ثلاث مرات)، التلميذ مع الأستاذ، في «ماهية النوم والرؤيا»؛

15

فأرسطو هنا الفيلسوف المبرز تابع لأفلاطون حكيم اليونانيين راويا عنه أقواله في النفس بأن لها علما بالطبع، وأنها تحيط بجميع الأشياء المعلومة حسية كانت أم عقلية؛ فأفلاطون هو حكيم اليونانيين، آخر ما وصل إليه القدماء من علم، والكندي يستأنف العلم القديم بالعلم الجديد. وقد انتهى أفلاطون طبقا لرواية أرسطو إلى ما وصل إليه الكندي من قبل، ولم ينقله فقط أرسطو عن أفلاطون، بل اقتناه وتبناه؛ وبالتالي تتأكد السلطة العلمية للقدماء مرتين؛ أفلاطون العالم، وأرسطو العالم الراوي. ويستشهد الكندي بأفلاطون على أنه قال نفس الشيء قبله طبقا لرواية أرسطو؛ فالكندي هو العالم. ويتأكد قوله بحجة تاريخ العلم، أفلاطون عن طريق رواية أرسطو طبقا للأمانة العلمية، وعن طريق تأكيد ما قاله بالعلم والبرهان دون تقليد أو تبعية. صحيح أن الكندي يستعمل لفظ «فنطاسيا» المعرب، ويعني القوة أو التخيل، أي الرؤية والنبوة والأحلام؛ وذلك لأن الكندي أول حكماء الإسلام، وما زال المصطلح العربي لم يستقر بعد بين النقل والتعريب؛ فالقوة المصورة عند الكندي هي التي يسميها اليونان فنطاسيا، وليست الفنطاسيا عند اليونان هي التي يسميها الكندي القوة المصورة. الكندي لديه المسمى واليونان لديهم الاسم، ربطا للجديد بالقديم، واستمرارا لتاريخ العلم. وفي مقابل أفلاطون وأرسطو ذكر الكندي مصدرا موروثا، أو بالأصح واقعا محليا، هو حمزة بن نصر وذويه كنموذج لأضغاث الأحلام ونكس القول وتخليط الكلام، وهو من المرويات في الثقافة الشعبية الموروثة.

16 (ز) وفي رسالة الكندي في «العقل» يذكر أرسطو (ثلاث مرات)، وأفلاطون (مرتين)، وأرسطو هو الأول في الذكر. وقد تمت الإشارة إلى اليونان بناء على سؤال من الواقع، وليس تبعية لهذا الفيلسوف أو ذاك أو نقلا عن الآخرين؛ فالتعامل مع اليونان تعامل مع الواقع بعد أن أصبح الوافد جزءا منه، وكأننا مع الوحي والواقع وأسباب النزول؛ فالواقع يسأل والواقع يجيب. الواقع يسأل عن رسم قول في العقل واليونان تجيب، اليونان ككل وليس واحدا بعينه، حضارة الغير من لها باع في العلم، ومن حاولت الإجابة على الأسئلة قبل إجابة الوحي عليها، ثم يتخصص الآخر الوافد بالمحمودين منهم وإعلامهم وثمار أشجارهم، وأرسطو أحدهم، معلم أفلاطون. أرسطو هو الزبد، وصانعها هو أفلاطون. ويعترف الكندي بالجميل حتى في فهم الآخرين، ويحاول التوفيق بينهما؛ فحاصل قول الأستاذ هو قول التلميذ؛ إذن ما حاوله الفارابي فيما بعد ليس جديدا، بل بدايته عند الكندي، وهو مشروع حضاري إسلامي استمر أيضا في الحضارة الغربية في عصريها الوسيط أو الحديث، ثم يبدأ الكندي بأرسطو بعد كل هذه المقدمات ورأيه في العقل ثم يبني عليه، ويطوره، ويكمله، بناء واضحا سهلا؛ فالعقل أربعة أنواع؛ الأول: العقل الذي بالفعل أبدا. والثاني: العقل الذي بالقوة، وهو للنفس. الثالث: العقل الذي خرج من النفس من القوة إلى الفعل. والرابع: العقل الذي يسميه الكندي الثاني، العقل بالحس لقرب الحس من الحي، وعموم ذلك يسمى العقل. لم يقل الكندي إن العقل الذي بالفعل هو أبدا العقل الإلهي في بداية التحول من الكلام إلى الفلسفة، ومن العقيدة إلى الفكر الخالص.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١١