22
وتبدو آليات الإبداع في أولى مراحل التأليف في تمثل الوافد كتأليف مصطنع مركب مفكك تنقصه الوحدة الداخلية نظرا لغياب الإبداع الخالص، ويبدو ذلك في «الفلسفة الأولى»، وفي رسالة «العقل». وترجع أهمية رسالة «الفلسفة الأولى» إلى أنها بداية التأليف؛ ومن ثم تثار عدة موضوعات: هل هي كتاب أم رسالة؟ ليس مقياس التفرقة الكم وحده، بل المضمون. الكتاب بناء ونسق، والرسالة موضوع جزئي. الكتاب لا شخصي يقترب من التجريد، والرسالة شخصية أقرب إلى المحاولة الأدبية. الكتاب له عنوان صغير ودقيق، والرسالة لها عنوان طويل. الكتاب لا يبدأ بحرف «في أن ...» والرسالة تبدأ به. ورسالة الكندي تتأرجح بين النوعين.
وهل هي رسالة أم رسالتان أم أكثر نظرا للبنية المصطنعة للكتاب؟ الحقيقة أنها عدة نصوص تبين نشأة النص الفلسفي على دفعات في بداية التأليف ثم الربط المصطنع بينها، مجموعة من الأفكار بصرف النظر عن البنية التي ظهرت فيما بعد عند ابن سينا.
23
يتكون الكتاب من خطبة وأربعة فنون، وأهمها الخطبة؛ ففيها الموضوع والمنهج والموقف الحضاري ، الصلة بين الفلسفة والدين كموضوع وكوضع مؤسسي اجتماعي، ثم يبدأ الفن الثاني دون الأول، وكأن الخطبة كانت بمثابة الفن الأول عن المناهج والقسمة، وأن الوجود وجودان، ثم يأتي الفن الثالث عن الطبيعي والمنطقي والرياضي والوحدة والكثرة. ثم يتلو الفن الرابع عن الله؛ أي الواحد، وكلها أربعة فنون من الجزء الأول من الفلسفة الأولى دون الجزء الثاني. ولا تتناسب الفنون الأربعة كما؛ الخطبة أقصرها، والفن الثاني أوسطها، والفنان الثالث والرابع أكبرهما ومتساويان.
24
ولا يظهر موضوع النفس بالرغم من الثنائية كتصور رئيسي للعالم؛ ومن ثم تغيب الخطة العامة. والحديث عن الفن، وليس عن الموضوع اللاشخصي؛ إحساسا بالتمايز بين الأنا والآخر. ومن مظاهر الربط المصطنع بين الفقرات بعبارات خارجية التذكير بما فات والتقديم لما هو آت، أو الدعاء، أو الإعلان عن القول وعدم ترك الموضوع يتحدث عن نفسه حتى يتطور الموضوع تلقائيا على نحو طبيعي،
25
وأحيانا يحتاج الفكر أن يوضح ذاته ويشرح نفسه بنفسه فيستعمل أسلوب البيان والإيضاح.
26
وتتنوع الموضوعات بلا رابط بينها، تبدأ بتقسيم العلوم إلى الفلسفة والرياضة والطبيعة، ثم باستعراض تاريخي يكشف عن الإطار الحضاري للفلسفة. يتجاوز الكندي أرسطو ويرفض إشراك العالم مع الله في التوحيد، ويثبت نهاية الجرم، ويقول بالخلق دونما حاجة إلى فيض الفارابي وابن سينا، على غير ما هو شائع في الدراسات الاستشراقية والعربية المقلدة، أو إلى قدم ابن رشد. يفضل أفلاطون على أرسطو؛ لأن أفلاطون أقرب إلى الصانع؛ وبالتالي إلى الخالق.
ويبدو التأليف المصطنع في «رسالة العقل»، والتي تقوم على التقسيم والمقارنة وذكر المتقابلات، وهو المنهج المتبع في بداية التأليف؛ فبعد الدعاء والسؤال يذكر رأي أرسطو في العقل، ثم شرحه بالمادة والصورة والنفس، ثم رأي الكندي في العقول الأربعة، وأخيرا تأتي الخاتمة والحمدلة.
27
وقد حدد لها الكندي نوعا أدبيا، وهو «موجز خبري»، أو «كلام مرسل». وهي رسالة قصيرة تقريرية تضع الأحكام والآراء العامة دون إفاضة في البرهان مع ذكر بعض الفلاسفة. ولفظ الخبر المرسل من مصطلحات علم الحديث وعلم أصول الفقه؛ مما يدل على مصدر نشأة المصطلحات .
28
وبالرغم من تمثل الوافد وأنه لا يضم إلا الوافد ظاهريا، إلا أن البيئة الدينية تظهر في بدايات النصوص ونهاياتها، وتعبر عن الجو الثقافي العام الذي يتم فيه البسملة والحمدلة والدعاء والصلاة والسلام على الرسول وآله وصحبه أجمعين، وتتراوح بين البسملة والحمدلة والدعاء بالتوفيق بالله، أو البسملة وإثبات العزة لله، أو البسملة وإثبات القوة والحول لله، ولا توجد آية قرآنية أو حديث نبوي؛ فالعقل يعمل تلقائيا ويبني موضوعه داخليا. وقد تظهر في البداية الدعوة للقراء بالتوفيق إلى طاعة الله، وقد يظهر هذا الجو الديني وسط الرسالة بعد المقدمة وقبل بداية الرسالة.