تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

وقد يقصد المؤلف القول، ويكون للعبارة قوة «أقول» مع فعل آخر، مثل: قصد، فرغ، وقف. ويظهر القصد والغرض باعتباره موضوع الفكر. لا يتعامل الفيلسوف مع القول، بل مع القصد، والغرض من القول؛ لذلك يظهر فعل «قصد» واسم «غرض» كثيرا. وقد يضاف إلى القصد ضمير المتكلم المفرد أو الجمع. وقد يعبر عن القصد أو الغرض سلبا بأنه ليس كذا. ويتضح بالتأمل حتى تظهر المعاني القصدية .

21

وتستعمل أفعال البيان في الأزمنة الثلاثة لإظهار القصد، وكذلك تستعمل أفعال الظهور والكشف؛ فغاية البيان الظهور.

ويبدو المسار الفكري وكأنه نظرية في الإيضاح في مشتقات لفظ البيان اسما أو فعلا، في الأزمنة الثلاثة تأكيدا على تواصل المسار الفكري. وقد يكتفي بالجمع بين زمانين الماضي والمستقبل لما كان الحاضر مجرد ممر من الأول إلى الثاني. تكشف كثير من التعبيرات عن المسار الفكري لابن باجه، وعن وحدة مشروعه الفكري. يحيل الموضوع إلى موضوع آخر لمزيد من الإيضاح والتفصيل، يحيل إلى موضوع سابق أو لاحق. ويمكن تصنيف هذه التعبيرات طبقا للزمان أو الموضوع أو العموم والخصوص. وأغلب الإحالات إلى الكتب المعينة في الماضي. ويدل المستقبل على تأجيل تفصيل الموضوع إلى وقت لاحق. ويبدو من المسار الفكري استنباط النتائج من المقدمات في استدلال منطقي. ونظرا لطول العبارة استبدل بها المهندسون العلامات. وتظهر أنماط الاعتقاد من شك وظن ويقين.

22

وتتم الإحالة في الماضي إما إلى مواضيع عامة سابقة، أو إلى كتاب من الكتب المؤلفة سابقا، أو إلى علم من العلوم التي تم التأليف فيها سابقا، أو إلى الموضوع إجمالا أو تفصيلا. وقد تكون الإحالة إلى الماضي في صيغة المبني للمعلوم لأحد مشتقات فعل القول أو بصيغة المبني للمجهول. وأحيانا يظهر أحد مشتقات فعل البديان، وهنا ترتبط الإحالة بنظرية الإيضاح. وتكشف الإحالات إلى أعمال أخرى عن وحدة العمل كله، أو وحدة المذهب الذي يميل إليه ابن باجه في باقي أعماله لمزيد من البيان والإيضاح؛ مما يدل على وجود مشروع فكري عام متكامل لابن باجه. وأكثر ما يحال إليه تدبير المتوحد، ثم رسالة الوداع، ثم كتاب النفس، ثم المقولات والحيوان والنبات. وقد يشير إلى العلم مثل العلم المدني.

23

والإحالة إلى كتاب النفس تأليفا وليس شرحا لأرسطو، فتحول الكتاب من أرسطو إلى الشراح إلى الموضوع أو العلم هو تحول من النقل إلى الإبداع. تكون الإحالة من كتاب النفس إلى النفس انتقالا من الكتاب إلى الموضوع، خطوة في التحول من النقل إلى الإبداع. ويتم نفس التحول عند ابن باجه انتقالا من «كتاب التوحد» إلى «تدبير المتوحد». ويمكن عن طريق الإحالة إلى المؤلفات معرفة ترتيبها الزماني. وواضح أن الإحالات إلى المتأخرة كثيرة ومعتدة. وتدبير المتوحد من أواخر الكتب.

24

ومؤلفات ابن باجه لا تنفصل عن حياته؛ فكره قدره، وعلمه تجاربه، ولا يقتصر ذلك عليه وحده، بل هي سمة عامة عند الحكماء منذ الكندي حتى ابن رشد. الحديث عن النفس، والعلم تجربة. التعاليم الشفاهية بجوار المصادر المدونة، ليس استعراضا ذاتيا أو خروجا عن الموضوعية، بل بيان لنشأة العلم وتكوينه في الشعور. ويكشف التطور الفكري لابن باجه عن اشتغاله أولا بالموسيقى ثم بالفلك. والموسيقى علم رياضي، وكذلك الفلك والهندسة. ويذكر إشبيليا مدينة الموسيقى والغناء؛ مما يدل على الطابع الموروث المحلي للعلم والثقافة والفن، ثم اشتغل بالعلم الطبيعي قدر اشتغاله بالمنطق اعتمادا على الفارابي. وتشمل التجارب الأسفار والأماكن والزيارات؛ فقد كانت المعرفة تأتي من الواقع المباشر في مرحلة التأليف كما أتت من النص في مرحلة النقل، وأتت من العقل الخالص في مرحلة الإبداع. كما ينقد ابن باجه سابقيه ومعاصريه؛ فهو مرحلة من وعي تاريخي، وليس فقط من وعي اجتماعي. يحاور الماضي كما يحاور الحاضر، ويتجاوز الأمر مجرد الطابع الشخصي في التأليف، رسالة إلى صديق أو إلى فيلسوف، الكندي والمعتصم، ابن رشد والأمير، ابن باجه والوزير، ابن سينا والبلخي. يتحد الموضوع بالذات، والذات بالموضوع، والعلم بالتجربة، والتجربة بالعلم. ولا يعيب ذلك البداية الموضوعية بالعلم؛ فالعلم تجربة وحياة، هم بين قصر العمر وطوله. وأهم شيء في السلوك البشري هو الغاية. وهي التي وضعها الحكماء السابقون وأكد عليها أبو نصر. ومع ذلك منعت ندرة كتبه في الأندلس من الاطلاع عليها؛ لذلك يستأنف ابن باجه التأليف، إبداعا لا نقلا، وذاتيا لا موضوعيا. وإن ما تركه أرسطو في الحادية عشرة من الأخلاق مجمل جدا لا يكفي، وهذا هو دافع التأليف، استكمال ما بدأه القدماء، الوافد أو الموروث، ويشتد هذا الشجن، اللقاء والوداع، في رسالة الوداع. ولا ينفي ابن باجه تعلمه على أيدي المشارقة بالرغم من بعد المشرق؛ فالعلم يتجاوز المناطق والجهات، وإن لم يصبح المشرق رمزا كما هو الحال عند ابن سينا في «منطق المشرقيين»، وابن طفيل في «أسرار الحكمة المشرقية»، أو ابن عربي في «عنقاء مغرب». والفيلسوف موقف معرض للمخاطر. البدن رقيق، والإنسان وصحبه يستطيع به الأسفار والتحرك واللقاء. ومع ذلك، الأخطار محدقة، أخطار سياسية واجتماعية، وإغراءات دنيوية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١١٨