والرسالة كلها خطاب ديني مطعم بآية قرآنية، سورة الفاتحة، بالإضافة إلى آيات مرسلة حتى أصبح موضوع الرسالة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، مضمونها الفقهي. تتأرجح بين الفطرة والاكتساب كما هو الحال في الأشعرية؛ لذلك كان الصوفية أدق عندما جعلوا الأحوال مواهب والمقامات مكاسب. كما تتأرجح بين المعرفة والوجود، بين العلم بالغيب والعلم بالواقع والمشاهد، بين الإيمان التعليمي والاستدلال الفعلي كما هو الحال في حكمة الإشراق. تجعل قدرات الأنبياء نظرية أكثر منها عملية، فهل الأمر لذة المعرفة أم شقاء الجهاد؟ ويتصور ابن باجه مدينة إلهية قمتها الأنبياء ثم الأولياء ثم فلاسفة الإشراق والصحابة والأولياء، ويستعمل مصطلحات الصوفية مثل الفناء والبقاء، ولغة اللذة والعشق، حرمانا من الدنيا وإشباعا في الآخرة، تطهر وثنائية مانوية وكأننا في «رسالة الطير» لابن سينا، أو رسائل إخوان الصفا. يفسر الفاتحة تفسيرا صوفيا صرفا، والوحي على نحو إشراقي، والسؤال: كيف يكون هذا الظن والفلسفة يقينا وبرهانا؟ وتبدأ الرسالة بالفطرة الفائقة المعدة لقبول الكمال الإنساني المعدة لقبول العقل الإنساني، ثم العقل الإلهي، وهو عقل مستفاد من الله. وتنتهي بالمعقولات الأولى التي يعملها الله للإنسان المعد لأن يعلم بها بالموهبة من الله. وهو دور منطقي، لا يعلم الإنسان الله إلا بالموهبة التي يعطيها الله له، وكأن الله هو المهيئ للمعرفة وموضوع المعرفة، وأن الإنسان ليس له دور إلا السير في الطريق المرسوم له. (ي) وفي «الفيض والعقل الإنساني والعلم الإلهي»، من الوافد لا يحال إلا إلى اسم كتاب «إيضاح الخير» دون مؤلفه، وهو منحول على أفلوطين أو برقلس؛ فالمهم الموضوع لا الشخص، حتى ولو لم يتم التعرف عليه تاريخيا ونسبته إلى صاحبه. ومن الموروث لا يحال إلا إلى عيون المسائل للفارابي دون ذكر اسمه، مقارنا بالغزالي في تأويل الكتاب واتفاقهما في الفيض من العلم الإلهي إلى العقل الإنساني، وهو موضوع أقرب إلى روح أفلوطين الإشراقي منه إلى روح أرسطو المنطقي الطبيعي. الرسالة كلها وثنية الطابع. إذ يفيض الله من علمه على موجوداته ومخلوقاته العلم والعمل، فيتقبل كل موجود حسب مرتبته من كمال الوجود. والعقول تقبل من العلم حسب مراتبها، وكذلك الأجرام تقبل الأشكال والصور النفسانية حسب مراتبها، ومراتبها حسب أمكنتها. ولكل جرم سماوي خاضع للكون والفساد عقل ونفس. بالنفس يفعل الأفعال الجزئية المحسوسة على جهة التخيل، وبالعقل يعلم الإنسان العلوم المنزلة عليه من الله ما يتعلق بالماضي وبالمستقبل وما لم يشاهده بالعيان، غيب لا يطلع عليه إلا من يشاء من عباده بواسطة الملائكة. ويحدث العمل عنه في الأجرام بواسطتها؛ لأن أعماله بذاته عن علمه أو بتوسط عقلي أعلى من الإنسان؛ فالعمل فيض من الله مثل العلم، وفيض على العقول والأجرام، وليس على الإنسان جهد أو إبداع؛ ونتيجة لذلك سينشأ الإيمان بالقضاء والقدر. الرسالة كلها تصرف ودعاء ودعوات. تحولت من المنطق الطبيعي إلى الفلسفة الإشراقية والمواعظ الأخلاقية. لا فرق بين برقلس والغزالي والفارابي وابن باجه. وفي البداية يحيل ابن باجه إلى القضاء والقدر لتقدير الفيض والعلم، وفي النهاية يتحسر على الضلال، ويأسف للشغل بالأحوال والأهل، ويدعو القارئ إلى اغتنام التفرغ حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
19 (2) آليات الإبداع
ويمكن جمع آليات الإبداع في رسائل ابن باجه كلها في منطق واحد. يظهر فعل القول كعادة متبعة في أسلوب التأليف، الأقل منها لأرسطو، والأكثر للمؤلف أو للرد على الاعتراض مسبقا «فإن قيل ... قلنا». المؤلف هو الذي يقول أساسا بضمير المفرد أو الجمع، وليس فقط الآخر الفعلي أو الآخر المتوهم في الاعتراض المسبق. وهو قول موجز، وليس شرحا أو إسهابا. الإسهاب نقل، والإيجاز إبداع. وكثيرا ما يذكر القول بمفرده دون نسبته إلى أحد، الأنا أو الآخر. وقد يفهم أنه قول الأنا وليس قول الآخر من السياق وإضافة ضمير المتكلم المفرد أو الجمع لاسم فعل آخر. وقد يستعمل فعل القول كمبني للمجهول؛ فالمهم ما يقال وليس من قال. وقد يخلو مقال بأكمله من فعل القول ومشتقاته، مثل «تدبير المتوحد»؛ لأنه لا يوجد فيه حوار بين الأنا والآخر، بل تعامل مع الواقع المباشر.