تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الموروث يحال إلى أبي نصر والغزالي، ومن المؤلفات إلى كتاب الملة، ومن الفرق إلى الصوفية.

17

وصورة الفارابي عند ابن باجه أنه شيخ يدعو إلى تصفية النفس بذكر الله وتعظيمه في كتاب «الملة». ويؤيد ابن باجه الغزالي بالرغم من نقده له في «تدبير المتوحد» وفي «رسالة الوداع»؛ فطريق الصوفية، طريق الغزالي، موصل إلى المعرفة والسعادة ومأخوذ من النبي. ولا يوجد نقد لهم مع أن ابن باجه نقدهم من قبل مع الغزالي؛ فهو طريق قاصر على بلوغ الصور الروحانية. ويستشهد بقول بعض رؤساء المتصوفين: «ولو وصلوا ما رجعوا.» ومن ثم يغيب البرهان وإيصال الحقائق للناس. وقد أفرط الصوفية في وصف هذه الحالة، الخيالات التي توجد في نفوسهم حسب الظن دون التيقن من صدقها أو كذبها، مجرد نفس نزوعية لا تتصل إلا بالنفس الوهمية، ولا يتحقق من الصدق والكذب بالنزوعي المنطقي الذي يصيب النفس بحالة الفرح. أما النزوعية فهي أقرب إلى البهيمية.

وتظهر بعض الموضوعات الدينية، مثل الوحي والكهانة والرؤيا والفيض والملائكة والرسل والكتب، وهي موضوعات موروثة خالصة. قد تكون الرؤيا الصادقة بالوحي أو بالكهانة، ولا حرج من الاعتراف بأشكال النبوءات الأخرى. كما يتم العلم بالفيض على الملائكة، ومن الملائكة على عقول الإنسان طبقا لاستعداده، كما هو الحال عند الصالحين المخلصين المؤمنين بملائكته وكتبه ورسله، وعملوا بما يرضيه، فيفيض الله عليهم بواسطة ملائكته في الرؤيا وحوادث العالم العجيبة. كل ذلك في موضوع النبوة وتركيب نظرية الاتصال عليها، والخيال في موضوع «بين العقل والقوة المتخيلة واتصال العقل الإنساني بالأول» على النحو التالي:

هناك إذن علاقة متبادلة بين العقل والخيال، كل منهما مصدر للآخر. وهو خليط إشراقي من الصوفية والغزالي وأبي نصر مع الاتصال مع الوحي. (ط) وفي «الفطر الفائقة والتراتب المعرفي» يظهر من الوافد أرسطو وحده، نموذجا للمتدين الكامل الإشراقي، وتوارى أرسطو المنطقي الطبيعي.

18

ولا يظهر من الموروث إلا آية قرآنية واحدة. والفطر الفائقة المعدة لقبول الكمال الإنساني معدة لقبول العقل الإنساني؛ فالكمال هو العقل، قبول العقل الإلهي المستفاد من الله، وهي الفطر التي تعلم الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والسعادة والبقاء والسرور. والعلم رؤية ببصيرة النفس، موهبة من الله. ويؤدي بلوغ الكمال الإنساني إلى العلم الإلهي والكمال العقلي، وهما أيضا بصيرة للأشياء؛ فلا فرق بين العلم النازل والعلم الصاعد، بين التنزيل والتأويل. ويتفاضل الناس في هذه الموهبة التي هي بصائر القلوب، وأعظمها بصائر الأنبياء، يعلمون بها الله ومخلوقاته دون تعلم أو اكتساب، علما كليا بالله وملائكته، ثم يأتي الأولياء بعد الأنبياء. يأخذ أصحاب الفطر الفائقة علمهم من الأشياء، ما يوصلهم إلى العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والسعادة القصوى. ويظلون كذلك حتى يروا العلم بأنفسهم، ويرونه ببصائرهم حسب درجات الموهبة من الله؛ فيأنسون بالعلم، ويلتذون بالفكر، وينعمون بذكر الله، سواء نطقت بذلك ألسنتهم أم لم تنطق. يفيض الله عليهم بحسب الرؤيا جزءا يسيرا مما وهبه الله للأشياء من الاطلاع على المعنيات. ومن الأولياء صحابة النبي، وكل من أخلص وصدق. وبعد الأولياء طائفة وهبهم الله بصائر يتحققون بها تدريجيا حتى يصلوا إلى اليقين بالمخلوقات والعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والدار الآخرة. تبرءوا من البدن، وحصل لهم الكمال، وهي السعادة القصوى، بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل. يدرك الإنسان أجل مطلوباته، وهو العلم بالله والالتذاذ به، يرضى به ولا يحاكيه. وبفطرته وبصيرته يهتدي إلى علم الأنبياء، فيصل إلى العلم الواحد من طريقين. ويفسر سورة الفاتحة، فيجعل المنعمين عليهم الذين وهبهم الله المعرفة، والمغضوب عليهم الذين وهبهم الله الموهبة ولكن يتبعون هواهم، والضالين الذين عدموا الموهبة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١١٦