تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يدل عدم التناسب الكمي بين الأنواع الأدبية الست على مراحل التحول من النقل إلى الإبداع؛ فبينما يبدو «تمثل الوافد» (الفصل الأول) صغيرا نسبيا، فإن «تمثل الوافد قبل تنظير الموروث» (الفصل الثاني) يبدو ضعفه؛ نظرا لأنه يتعامل مع مصدري الفكر، الوافد والموروث، وليس مع مصدر واحد. ويعود «تمثل الوافد مع تنظير الموروث» إلى الصغر النسبي؛ لأنه مجرد حالة افتراضية لا وجود لها إحصائيا، مجرد ممر أو انتقال من «تمثل الوافد قبل تنظير الموروث» (الفصل الثاني في التأليف) إلى تنظير الموروث قبل تمثل الوافد (الفصل الأول في التراكم).

وبطبيعة الحال ألا يظهر هذا التعادل بين تمثل الوافد وتنظير الموروث قبل القرن الرابع الهجري؛ نظرا لانشغال المترجمين والفلاسفة الأوائل إما بتمثل الوافد (الفصل الأول) أو بتمثل الوافد قبل تنظير الموروث (الفصل الثاني)؛ فالتعادل بين المصدرين يحتاج إلى معرفة متساوية للاثنين، وهو ما تم عند العامري ومسكويه وابن سينا في القرن الرابع الهجري. (1) يحيى بن عدي

ويبدو «تمثل الوافد مع تنظير الموروث» أيضا عند المترجمين؛ مما يدل على أن الترجمة ليست فقط تمثلا للوافد قبل تنظير الموروث، بل إن تمثلها للوافد يعادل تنظيرها للموروث؛ لأنها تعمل بين ثقافتين، تنقل النص من ثقافة الوافد إلى ثقافة الموروث.

فمن رسائل يحيى بن عدي (364ه) «جواب عن كتاب أبي الجيش النحوي فيما ظنه أن العدد غير متناه»، يظهر تعادل الوافد، فيثاغورس، مع الموروث، أبو الجيش النحوي.

1

يعتمد يحيى بن عدي على برهان فيثاغورس لإثبات أن العدد متناه، سواء كان عن طريق الاتصال أو الانفصال، ثم يضيف دليلا جديدا يقوم على إثبات تناهي الكمية. والعدد كمي؛ فهو إذن منتاه. ويضيف دليلا ثانيا يقوم على قسمة العدد إلى زوج وفرد، وكلاهما نوع متناه. فالموروث يسأل والوافد يجيب. الواقع يثير الشكوك، والوافد يعطي اليقين دون الاكتفاء بالنقل، بل بزيادة براهين العقل؛ فالعقل هو الجامع بين الوافد والموروث. (2) العامري

في «الأمد على الأبد» للعامري (381ه) يتصدر الوافد على الموروث في العمق، بينما يتصدر الموروث على الوافد في الاتساع؛ فمن الوافد يتصدر ذو القرنين أو الإسكندر، ثم فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو، ثم سقراط، ثم أرشميدس وديوجانس الكلبي وديمقراطيس الطبيعي وأوميروس وجالينوس وإقليدس وسقراط الطيب وبرقلس الدهري ويحيى النحوي، حوالي خمسة عشر علما. ومن الكتب يذكر فادن وطيماوس، ومن أسماء الشعوب يذكر اليونان ثم رومي.

2

فالرسالة بهذا المعنى جمع بين أفلاطون وأرسطو ربما لصالح أفلاطون نظرا لذكر محاورتين له، وفيثاغورث مؤسس المدرسة الأفلاطونية. ويتضح من العنوان أيضا نفس الشيء الرغبة في الجمع بين الأمد والأبد؛ أي بين أرسطو الذي يمثل الزمان وأفلاطون الذي يمثل الأبدية أو الخلود. وهي أيضا رسالة في فلسفة التاريخ التي تبزغ من تمثل الوافد مع تنظير الموروث جمعا بين الفلسفة والكلام، تحاول الجمع بين التاريخ والبنية، فالتاريخ هو الأمد، والبنية هي الأبد، بل إنها أقرب إلى البنية منها إلى التاريخ؛ إذ لا يتجاوز التاريخ ثلاثة فصول من عشرين فصلا. كما يبدأ التنظير المباشر للواقع في الظهور، ويتضخم على حساب الإقلال من الوافد في الاتساع ومن الموروث في العمق. وتقسم عناوين العامري بهذا الإيقاع الثنائي الذي يدل على بداية الإبداع وأولويته على العرض والتأليف،

3

مثل: الآبار والأشجار، الإفصاح والإيضاح، العناية والدراسة. ويحيل العامري إلى باقي أعماله تأكيدا على وحدة المذهب، الإبصار والمبصر.

4

وأحيانا يكون حرف العطف «و» حرف جر «عن»، مثل الأبحاث عن الأحداث. وأحيانا يتكون الجزء الثاني من إيقاعين جزئيين، مثل: الإبانة عن علل الديانة، «الإعلام بمناقب الإسلام»، الإرشاد لتصحيح الاعتقاد، الإتمام لفضائل الأنام، التقدير لأرجح التقدير، التبصير لأوجه التعبير. وأحيانا يتكون الجزء الأول والثاني من إيقاعين، مثل: النسك العقلي والتصوف الملي، إنقاذ البشر من الجبر والقدر، الفصول البرهانية للمباحث النفسانية، فصول التأدب وفضول التحبب، تحصيل السلامة من الحصر والأسر. وتتميز عناوين برجسون أيضا بهذا الإيقاع الثنائي، مثل: المادة والذاكرة، الفكر والمحرك، الطاقة الروحية، منبعا الأخلاق والدين، المعطيات البديهية للوجدان، الديمومة والمعية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١٠٦