وفي كتاب «الهيئة» لمؤيد الدين العرضي (664ه)، استمر هذا النوع الأدبي، تمثل الوافد حتى تنظير الموروث إلى فترة متأخرة، القرن السابع. وله ألقاب كثيرة؛ مما يدل على عظمة المؤلف وقدرته وقدره وصورته في تاريخ العلم. وبالإضافة إلى لقب الشيخ يضاف «قدس الله روحه».
107
وتطول أسماء الفصول ودون ترقيم. وللعرضي مذهب خاص يراجع على أساسه الوافد والموروث، وكان لديه إحساس بالإبداع والابتكار، ويطالب الآخرين بالمراجعة والتحقق من صدق تحليلاته. ويبدو ارتباط الفلك بالجغرافيا كارتباط السماء بالأرض.
108
وتسبق أفعال البيان أفعال القول لأن الهيئة موضوع للتوضيح والشرح والبيان، وليس نقلا لأقوال السابقين، تتلوها أفعال الاستدلال مع باقي أفعال الشعور المعرفي. ويتصدر أفعال القول صيغة «نقول» المتكلم المفرد؛ مما يدل على أن المؤلف هو الذي يتكلم ولا ينقل أقوال غيره.
109
ويتصدر الوافد الموروث. من الوافد يظهر بطليموس، ثم كتاباه «المجسطي» و«الاقتصاص»، ثم أبرخس، ثم أرشميدس، وأوميروس، وكتاب الأصول لإقليدس، ثم أوطولوقوس، وأرسطوطاليس، وأبلينوس، وثاون، وماطن، وأنطليمن، وأراطس الحكيم، وثاودسيوس صاحب الأكر. ويحال إلى الكل باعتباره جزءا من التراث العلمي. ويأخذ أبرخس وبطليموس لقب الفاضل.
110
وهذا لا يمنع من نقد بطليموس أحيانا بالقول الخطابي، ومراجعة أعماله، والتحقق من صدق نظرياته. ومن أسماء الفرق والمجموعات المتأخرون ثم القدماء.
111
وهناك إحساس بتطور العلم ومساهمة العصر «في زماننا»،
112
وهناك حرص على الإيجاز دون التطويل، وإحالة السابق إلى اللاحق، واللاحق إلى السابق. وتظهر ألفاظ الاستدلال، ومقياس الاتساق ورفض التناقض، «وهذا خلف».
113
ومن الموروث يذكر الحرفي صاحب التبصرة، ثم كوشيار، الزرقالة المغربي، ثم ابن الهيثم،
114
في معرض النقد؛ فقد غلطه في حد وسط الشمس وتعديلها جماعة ممن يظن بهم الفضل من المتأخرين، وعابوا على بطليموس حده.
115
ومن الأقوام والأماكن والخلفاء العرب، ثم المغرب، ثم الإسكندرية والشرقيون والمأمون ومكة، شرفها الله. ويظهر الأسلوب العربي الإنشائي أحيانا، مثل: «ولعمري».
116
وهناك إحساس باختلاف المصطلحات باختلاف اللغات، مثل البيابانية والفارسية واشتقاق اسم الفلاة.
117
وبالرغم من غياب القرآن والحديث إلا أن التوجه القرآني حاضر؛ فالمصنوع دلالة على الصانع
فتبارك الله أحسن الخالقين ، وكل شيء في العالم أراده الله لحكمة. وتظهر بعض العبارات الإيمانية، مثل: «إن شاء الله». ويبدأ الكتاب بالبسملة، رب تمم بالخير، والحمدلة والشكر لله لكمال صفاته التي تدل عليها جميع مصنوعاته، والصلاة على أنبيائه وصفوته وخلقه والصالحين من عباده، وعلى نبيه محمد، والمنتمين الطاهرين. وهي صياغة تدل على تشيع المؤلف. وينتهي الكتاب بدعوات الناسخ أن يغفر الله ذنوبه، وتاريخ النسخ 671ه.
118
| الفصل الثالث: تمثل الوافد مع تنظير الموروث
| أولا: يحيى بن عدي، والعامري، ومسكويه، وابن سينا
«تمثل الوافد مع تنظير الموروث» نوع أدبي ثالث، حالة افتراضية خالصة لا وجود لها إحصائيا من حيث التعادل الكمي بين نتائج تحليل المضمون للوافد وتحليل المضمون للموروث. هذا التعادل الإحصائي الكمي الدقيق لا وجود له تجريبيا، هذا النوع مجرد معبر بين نوعين أدبيين متقابلين، تمثل الوافد قبل تنظير الموروث (الفصل الثاني)، وتنظير الموروث قبل تمثل الوافد، وهو الفصل الأول من بداية التراكم الفلسفي (الباب الثالث). ولا يعني التعادل التساوي الكمي المطلق، بل هو في الغالب أولوية تمثل الوافد من حيث العمق؛ أي من حيث تردد بعض الأسماء، مثل ديسقوريدس أو جالينوس، وأولوية تنظير الموروث من حيث الاتساع؛ أي عدد الأعلام المذكورة. تمثل الوافد عن طريق أسماء وأعلام قليلة، وترداد الأول منها كثير، وتنظير الموروث عن طريق عدد أسماء أعلام كثيرة، وترداد الأول منها قليل. وكان من الأفضل وضع حرف العطف «مع» أفضل من «و» بالرغم من إفادة كل من الحرفين معنى التعادل دون أولوية أحدهما على الآخر. وقد يكون «مع» أكثر دلالة من «و» حتى يتفق مع استعمالات حروف العطف الأخرى مثل «قبل» في «تمثيل الوافد قبل تنظير الموروث» (الفصل الثاني)، أو تنظير المورث قبل تمثل الوافد (الفصل الأول من الباب الثالث). ولم يستعمل حرف «بعد»؛ لأن الأولوية باستمرار للقبل على البعد في النوع الرابع تنظير الموروث قبل تمثل الوافد (الفصل الأول من الباب الثالث). وليس تمثل الوافد بعد تنظير الموروث حتى لا يكون المعيار باستمرار هو الوافد، سواء كان قبلا أو بعدا.