تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وطريقة ابن رشد هو نفس طريقة أرسطو في فهم الحركة، لا طريقة الفارابي أو يحيى النحوي؛ فقد فهم أبو النصر أن القوة على الحركة تنقصها بالزمان، ولا تتسلسل المحركات بعضها عن بعض إلى ما لا نهاية، في حين أن ابن رشد يثبت أزلية الحركة كما هو الحال عند أرسطو. وخطأ الفارابي أنه ظن أن أرسطو يحدد الحركة بالزمان. وكذلك عارض يحيى النحوي أرسطو بحركة الأسطقسات من ذاتها في مقابل قول أرسطو بأزلية الحركة؛ فالقوة التي تتقدم الحركة توجد في الجسم وليس خارجة عنه. وقد فهم يحيى النحوي بطريقة مخالفة لفهم ابن رشد لأرسطو، وتابعه أبو نصر، وهي أن القوة على الحركة تتقدم الحركة بالزمان، وعارض أزلية الحركة عند أرسطو. وقد تعرض ابن رشد ليحيى النحوي في الطبيعيات وليس في المنطقيات. يؤيد الفارابي أزلية الحركة، ولكنه يسيء تأويل أرسطو، ويعارضها يحيى النحوي؛ فالشارح الإسلامي أكثر التزاما بأرسطو من الشارح النصراني، وأكثر قدرة على التمييز بين العقل والنقل، بين الوسيلة والغاية باسم الوحي، في حين أن يحيى النحوي ضحى بالعقل في سبيل الإيمان، وبالوسيلة من أجل الغاية. ويقوم ابن رشد بدور القاضي بين الاثنين، الفارابي الذي يسيء تأويل أرسطو لإثباته أزلية الحركة بارتباطها بالزمان، ويحيى النحوي الذي يثبت نهايتها، ويعود إلى أرسطو؛ أي إلى الموضوع ذاته. وأقوى شك ليحيى النحوي على أرسطو صاغه في قياس من ثلاث مقدمات ونهايته على النحو الآتي:

كل جسم متناه،

والسماء جسم،

وكيف يقبل السماء قوة غير متناهية؟ ∴

إما أن السماء أزلي، وإما

أن القوة متناهية.

وفي القياس التقليدي من قياسين على النحو الآتي:

كل جسم متناه، السماء متناه،

السماء جسم، والمتناهي لا يقبل قوة غيرمتناهية، ∴

السماء

متناه. ∴

السماء لا يقبل

قوة غير متناهية وإلا كان أزليا.

ولم يصرح أرسطو بهذا الظهور، ولكن الشراح هم الذين جعلوا الواضح غامضا. أرسطو إذن بين يدي الشراح اثنان: أرسطو الإشراقي الأفلاطوني الذي روج له يحيى النحوي وأبو نصر والمتكلمون من أهل ملتنا، وأرسطو الطبيعي كما هو عليه وكما فهمه ابن رشد. لذلك يميز ابن رشد بين تيارين في فهم أرسطو؛ الأول: التيار الإشراقي الأفلاطوني، وهو تيار يحيى النحوي والفارابي. والثاني: التيار الطبيعي، وهو تيار ابن رشد. ويفصل ابن رشد صراع الفارابي ضد يحيى النحوي، الأزلية ضد الحدوث، كأن الفارابي المسلم أقرب إلى أرسطو الذي يقول بقدم العالم من يحيى النحوي النصراني الذي يقول بالحدوث إثباتا للخلق. الفارابي أكثر التزاما بالفلسفة منه بالدين الشعبي، في حين أن يحيى النحوي أكثر دفاعا عن الدين ضد الفلسفة. وكتاب «الموجودات المتغيرة» للفارابي الذي يحيل إليه ابن رشد مفقود.

ولا يحيل ابن رشد إلى أصل الموروث في الكتاب والسنة أو إلى العقائد الكلامية إلا أن القيمة تعقيل للعقيدة؛ إذ تدل ألفاظ الشرف في مقابل الخسة والكرم في مقابل الوضاعة، كما تدل أفعال التفضيل، مثل «أكرم» و«أفضل» و«أشرف»، على هذا التعالي في الشعور. القيمة تعقيل للعقيدة، والأخلاق أساس الدين. للقيمة وجود في الطبيعة، والطبيعة قيمة تتجه نحو الأشرف.

وقد ظن أفلاطون أنه لا يمكن أن تكون حركة قبلها حركة لإثبات المحرك الأول، وهو قول صحيح إن وضع بالذات، وكاذب إن وضع بالعرض. والخطأ أخذ ما بالعرض على أنه بالذات؛ لأن الحركة الأزلية لا أول لها بالذات، وتعرض الشكوك إذا أخذ بالعرض؛ لذلك اتجه شراح أرسطو اتجاهين؛ الأول: التفسير الإشراقي عند أفلاطون ويحيى النحوي والفارابي والمتكلمين من أهل ملتنا. والثاني: التفسير العقلي الطبيعي عند ابن رشد وأرسطو على حقيقته. وبالرغم من أن موضوع الحركة موضوع طبيعي إلا أن دلالته إلهية؛ مما يدل على أن العلمين الطبيعي والإلهي علم واحد، مرة إلى أسفل ومرة إلى أعلى. ويثبت ابن رشد ضرورة أن يكون المحرك الأول بسيطا؛ لأن المركب يقبل التغير، والإنسان يألم لأنه مركب، ولو كان بسيطا لما تألم؛ ومن ثم تثبت بساطة الله بإثبات تركيب الإنسان؛ مما يدل على أن الإلهيات إنسانيات مسقطة إلى أعلى، وأن الإنسانيات إلهيات مسقطة إلى أسفل. ويكشف تعبير «المتكلمون من أهل ملتنا» تبعيتهم إلى أفلاطون في تصورهم للحركة، مثل يوحنا النحوي كتيار مضاد للتيار الأرسطي الطبيعي. المتكلمون في مقابل الحكماء، واللاهوتيون في مقابل الطبائعيين، والدين في مقابل العلم. يثبت المتكلمون الحركة بإرادة، والمحرك بإرادة، حركة أولى ليس قبلها حركة، لا في ذاته ولا في المتحرك، وهو أمر مستحيل عند ابن رشد الذي يدافع عن أزلية الحركة؛ فالمتحرك من ذاته لا يتحرك إلا وتتقدمه حركة أخرى، إما في جسمه وإما في نفسه. وهذا هو الصراع بين نمطين من التفكير، الديني الكلامي الطولي الذي في حاجة إلى محرك أول بذاته، والعلمي الدائري الذي يقول بقدم الحركة. وما زال لفظ «الأسطقسات» معربا. ويختلف تعريب يحيى النحوي، مرة يحيى ومرة يوحنا. ويذكر الناسخ مكان النسخ إشبيليا؛ مما يثير أشجان النفس، يا زمان الوصل بالأندلس، ثلاث سنوات قبل رحيل ابن رشد. ويبدأ المقال بالبسملة، وطلب العون من الله الرب، والصلاة والسلام على محمد وآله. (3) العرضي

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١٠٤