ومن الموروث يتصدر ابن سينا ثم أبو نصر. ويحال إلى كتاب السفسطة للفارابي.
104
وابن سينا أكثر حضورا من الفارابي؛ لأنه موضوع النقد. والمقال كله نقد لابن سينا بالرغم من غموض العنوان؛ هل هو كتاب العبارة لأرسطو أم للفارابي أم لابن سينا؟ والأرجح أنه لأرسطو؛ فالمقالات كلها في تمثل الوافد قبل تنظير الموروث. وقد شك ابن سينا على أرسطو وعلى جميع الشراح ووبخهم، واعتقد أنه إذا كان المفهوم من اللفظ في الإفراد، وهو المفهوم بعينه في التركيب، كان المفهوم من الإفراد صادقا حقا، وذهب عليه أنه ليس بإفراد، بل هو تركيب بالقوة؛ لذلك تكذب بعض المقدمات بالضرورة إذا أطلقت بطبيعة الإطلاق، لا من قبل الوهم والعادة كما ظن ابن سينا. يقتضي الحل والتركيب بذاته نقلة الفهم من الإطلاق إلى التقييد، ومن التقييد إلى الإطلاق، ومن الوحدة إلى الكثرة، ومن الكثرة إلى الوحدة، وليس لأن المفهوم واحد أو مغاير كما اعتقد ابن سينا نقلة بالعرض. عيب ابن سينا هو حسن ظنه بنفسه، والثقة الزائدة بها دون شك أو ارتياب؛ وبالتالي يستعمل تحليل الشخصية في النقد. والعيب كله من المفسرين لأرسطو مثل ابن سينا نقلا عن الفارابي من كتاب السفسطة. والحقيقة أن الفارابي وابن سينا كانا يقومان بعمليات التمثل لدرء أخطاء الوافد، وابن رشد يقوم بعملية أخرى بعد التمثل، وهي النقد التاريخي دفاعا عن أرسطو ضد الشراح المسلمين. ويقوم بدور القاضي بين المتخاصمين على تركة أرسطو. كان الشراح اليونان يمثلون الموروث الوافد، بينما كان الشراح المسلمون يمثلون الوافد الموروث. ويشك ابن سينا شكا على المشائين يتوجه إلى أرسطو نفسه، وإلى من أتى بعده من المفسرين. لم يكن ابن سينا مشائيا تابعا، بل هو مشائي مبدع. ويدرك ابن رشد مدى اتصاله وانفصاله عن المشائين. وقد أجمع المفسرون على مذهب الحكيم رواية عن ابن سينا وشرحا من الفارابي. ويستعمل ابن رشد بعض الأمثلة العربية للتوضيح، مثل: «زيد طبيب». ويبدأ المقال بالبسملة، وطلب العون من الله، والصلاة والسلام على محمد وآله. (ن) وفي «السابعة والثامنة من السماع الطبيعي» يتصدر أرسطو، ثم يحيى النحوي، ثم أفلاطون، ثم أبقراط. فشارح أرسطو هو يحيى النحوي، وليس الإسكندر أو ثامسطيوس. وظهر أفلاطون حتى تكتمل الصورة الأفلاطونية؛ فالشراح أحد أسباب الانحراف عن أرسطو ، وأيضا علماء اليونان مثل أبقراط. ويحال إلى السماء والعالم لأرسطو «مرة واحدة»، كما يحيل ابن رشد إلى باقي أجزاء الكتاب إلى المقالتين الثانية والثالثة تفسيرا للجزء بالكل نظرا لوحدة الموضوع ووحدة العمل.
105
ومن الموروث يحال إلى الفارابي، ثم إلى كتابه «الموجودات المتغيرة»، ثم إلى المتكلمين من أهل ملتنا، مع ذكر إشبيليا مكان التأليف.
106
والسؤال هو: لماذا كتب ابن رشد فقط مقالا في السابعة والثامنة من السماع الطبيعي؟ وما سبب الاختيار، الموضوع الدقيق أم الإشكال الخاص، كل متحرك له محرك، وهو أساس البرهان على وجود الله في الفكر الديني ولتصحيح فهمه حتى يقوم الفكر الديني الكلامي أو الفلسفي على أساس عقلي متين؟ يثبت ابن رشد التمايز بين المطلوبين في السابعة والثامنة دون تحديد المطلوب. والغرض من التمييز رفع الخلط، وإحكام الاشتباه، وبيان المجمل، كما هو معروف في منطق الأصول.
يعرض ابن رشد مقدمات أرسطو، ويستنبط معه نتائجه، ويصف مقاصده، ويستأنف استدلالاته لبيان صحة قول أرسطو، واتساق مقدماته مع نتائجه. كل شيء له محرك، والمحرك الأول لا يتحرك. ولا يوجد «قال أرسطو»؛ لأن التأليف معالجة للموضوع نفسه وإعادة دراسته، سواء اتفق أو اختلف مع أرسطو بعد أن أصبح غامضا بفعل الشراح المسلمين، مثل أبي نصر، والنصارى مثل يحيى النحوي، الذين أسرعوا بالتشبث بالموضوع من أجل الإسراع في تبرير الخلق وتمرير وجود الله؛ فالمهم ليس أرسطو بل الدين، ليس الوسيلة بل الغاية، والغاية تبرر الوسيلة. وتظهر أيضا أفعال الشعور، مثل الفهم والبيان والفحص، ومسار الفكر البداية والنهاية، ووضع المقدمات واستنباط النتائج، ومراجعة فهم المفسرين ومقتضيات المنطق المعياري. ويكشف ابن رشد نقد البداية عن الغرض من قول أرسطو إن كل متحرك له محرك في السابعة والثامنة ومقارنة القولين؛ فبالرغم من التمايز بينهما إلا أنهما يشتركان في نفس الموضوع، فلا زيادة عند أرسطو ولا تكرار، لا ترويد ولا تحصيل حاصل. كما يبحث ابن رشد عن الوضوح. وهو الذي يقول، وليس أرسطو وحده. وينقد ابن رشد الشراح بأرسطو دفاعا عن أرسطو، وشارحا أرسطو بأرسطو مثل شرح القرآن بالقرآن. ولا يشير ابن رشد إلا إلى المفسرين مرة واحدة لبيان عدم فهمهم أمر الثقيل والخفيف وحركتهما من غيرهما.