58
والتصوف ليس مجرد علم، بل هو طريق ومنهج وأسلوب حياة ونظرة كلية للعالم. فالشعائر لها جوانب صوفية. والاستعداد ليوم الجمعة يوم الخميس مساء مجاز. وفقه الوجود مسبوق في «قوت القلوب». ويتجاوز التصوف العلاقة التجارية مع الله في الثواب والعقاب وعدد الحسنات المضافة، والسيئات المخصومة، والتحول من مكان الصلاة إلى زمانها.
59
وعلوم القرآن معظمها مستمد من أبواب علوم القرآن التقليدية ولا جديد فيها، كل جزأين فيه علم حتى لقد تصل الأبواب في السيوطي والزركشي إلى مئات العلوم، وضياع أهم موضوعين «أسباب النزول» و«الناسخ والمنسوخ» اللذين يبينان ارتباط الوحي بالمكان والزمان في زحمة باقي العلوم. وتبين أمثال القرآن، كما تبين أحاديث الرسول تطابقها مع جمهرة أمثال العرب.
60
والقرآن يحيل إلى العلم ويدفع إليه. كما يتوجه نحو القراءة والتدوين عن طريق القسم بالقلم.
61
وبالرغم من قلة القرآن والحديث في الدوحات لأنها بنيات عقلية ثم إحصائية يتم الاستشهاد بالقرآن في علم الفراسة وفي علم النحو والاستقامة والاعوجاج، وعلم الاهتداء بالبراري والقفار، وعلم الفأل، وعلم الهيئة، وكذلك علم العدد، وعلم خواص الأعداد التامة والمتباعدة، وعلم السياسة وآداب الوزارة.
62
ويستعمل الأسلوب القرآني الحر كنموذج للأسلوب العربي. ويتم اكتشاف منهج السؤال والجواب في صياغة الآيات. الواقع يسأل والوحي يجيب مؤيدا إجابات الواقع ومختارا بينها أو مكملا لبعضها. وقد تحول القرآن في العصور المتأخرة من موضوع للعلم إلى أحجية وطلسمات للشفاء، وإلى وثنية ورقية خطية مرئية، وتقبيله مثل الحجر الأسود، زينة للعرف ومحلى بالذهب والفضة والقطيفة الحمراء في صندوق مرصع بالجواهر:
لا يمسه إلا المطهرون .
63
وتعطى تفصيلات عديدة بحيث تختفي بنية العلم وغايته ويصبح غير قابل للاستعمال. وبالرغم من ترقيم بعض قواعد التفسير إلا أنها لم تتحول إلى منهج عام. ومعظمها قواعد لغوية نحوية، وكأن التفسير مجرد علم يتعلق باللغة، وكأن اللغة عالم مستقل بذاته لا صلة لها بالعالم، ولا شأن لها بالأهواء والرغبات عند المفسر ولا بالمصالح الجماعية للطبقات الاجتماعية. لذلك تتداخل علوم القرآن مع علوم النحو وعلم أصول الفقه في المبادئ اللغوية، وكأن الغاية هي مجرد بيان البلاغة في القرآن والحديث إلى حد الوقوع في الدور، تفسير القرآن باللغة، وتفسير اللغة بالقرآن. وأكثر الشواهد القرآنية في التفسير والتأويل، وجه الحاجة إلى التفسير، شروط المفسر وآدابه، غرائب التفسير.
64
وتعرض مناهج التفسير لأن التفسير مرتبط بالعلوم. فهناك التفسير النحوي، همه الإعراب (الزجاج، الواحدي، أبو حيان)، وهم التفسير الإخباري القصصي الإخبار عمن سلف صحيحا كانت الرواية أم باطلة (الثعلبي). والتفسير الفقهي يستنبط الأحكام الفقهية والأدلة على المخالفين (القرطبي). والتفسير العقلي مملوء بأقوال الحكماء والفلاسفة لدرجة الخروج على الآيات، به كل شيء إلا التفسير (الرازي)، والتفسير الابتداعي يقوم على تحريف الآيات وتسويتها على المذاهب الفاسدة. والتفسير الإلحادي هو تفسير الصوفية والشيعة (أبو طالب المكي، الكرماني، محمود بن حمزة). والتفسير الصوفي ليس تفسيرا اعتمادا على ابن الصلاح وفتاويه (السلمي، ابن عطاء الله). ويسهب في تفصيل تفسير الرازي لأهميته.
65
وللمفسر شروط: مطابقة المفسر، تجنب ألفاظ الحكاية عن الله، التحرز من إطلاق الزائد على بعض الحروف، التحرز من إطلاق لفظ التكرار. وله علوم ضرورية: اللغة ، النحو، التصريف، الاشتقاق، المعاني، البيان، البديع، القراءات، أصول الدين، أصول الفقه، أسباب النزول، القصص، الناسخ والمنسوخ، الفقه، الأحاديث المبنية لتفسير المجمل والمبين، علم الموهبة اعتمادا على حديث «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لا يعلم». وهي علوم تجمع بين اللغة والقرآن والحديث والفقه والتاريخ.