66
وعلم التفسير على أقسام: إما سر لله أو سر للنبي أو ما أعلنه النبي للناس. وهو إما بالسمع وإما بالعقل سواء اتفق عليه كاستنباط الأحكام أو اختلف في جوازه مثل تأويل المتشابه. وما عدا ذلك فهو التفسير بالرأي من غير حصول علوم التفسير أو تفسير المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو التفسير المقرر للمذهب الفاسد عندما يكون المذهب أصلا والتفسير فرعا، أو تفسير مراد الله على القطع من غير دليل، أو التفسير بالاستحسان والهوى. وأين مناهج التفسير السياسي، مناهج التفسير ومصالح الأمة التي فيها يصبح التفسير جزءا من المعارك الاجتماعية؟
67
ومع ذلك تدخل الإسرائيليات كمادة متاحة لتفسير قصص الأنبياء ما دام التفسير تاريخيا، وما دامت الإسرائيليات متاحة في الثقافة في شبه الجزيرة العربية. ويبدو القرآن مجرد عقائد، إلهيات ونبوات ومعاد وقضاء وقدر كما هو الحال عند الرازي، لا شأن له بالسلوك الفردي والجماعي. وقد يؤدي ذلك إلى نوع من إباحية السلوك ما دامت العقائد منفصلة عنه، لها عالمها المستقل المنفصل عن السلوك في العالم أو إلى نوع من الاستسلام للقدر العام للوح القضاء والقدر المحتوي على ما كان وما يكون كليا وجزئيا. ولم يتم تطوير «علم الجفر والحدثان»، وهي إحدى صور فلسفات التاريخ القديمة وعلم الأدوار والأكوار. وقد تم التوسع قليلا في مفهوم الوحي. ويكلم جبريل غير النبي أو يسمعه مثل ابن عباس.
68
كما يمكن تطوير استقلال العالم عن السلطان فلا يدخل إليه حتى لا يقع في الغواية وتبرير ظلمه، ويستبعد ما يقال عن الأدب مع السلاطين.
69
ويؤخذ علم الحديث باعتباره نموذجا للتدوين الصحيح من حيث دقة الرواية؛ فقد جمع أبو داود 50000 حديث، تقلصت إلى 40000، ثم إلى 8000، ثم إلى أربعة آلاف حديث .
70
وتؤيد الأشعرية كمذهب رسمي بأحاديث مروية في فضائل الأشعري وكأن الرسول يتنبأ بالغيب؛ فقد ظهر الرسول له في المنام وطالب بنصرة المذاهب المروية عنه، فإنها الحق. ويمده الله بمدد من عنده تمنعه من الخطأ، فروى «الإمامة من قريش»، «قدموا قريشا ولا تتقدموا عليها».
71
وقد تتمثل شجاعة القدماء في فصل السند عن المتن في الحديث، ويتم استعمال الأحاديث غير الموقوفة على السند إبقاء للمتن.
72
ويبدو صدق المتن حينئذ في صدق التجربة البشرية التي وراءها والتي يرتكز عليها. كما يدل الحديث القدسي على صعوبة الفصل بين كلام الله وكلام البشر بوجود كلام متوسط بين الاثنين. وأحيانا يستعمل الحديث على نحو مرسل دون تنصيص كجزء من الخطاب الحر، كما هو الحال في استعمال الآيات. الحديث هو روح الوحي والعقل البديهي والطبيعة الخيرة والواقع المعاش. وحسن صوت النبي جزء من دعوته؛ فالسمع أقرب إلى القلب من العقل. لذلك يتداخل علما التفسير والقراءة.
73
وقد تحول علم الحديث كما تحول علم القرآن إلى وثنية بتقديس كتب الحديث واستعمالها؛ فالانكباب على كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» في أيام الوباء نافع ومفيد؛ بل إن الرسول نفسه يقوم بعمل أحجية لتقوية الإيمان وشفاء المرضى، حقيقة بدنية أم إيحاء نفسيا، هذا هو السؤال. ليست وظيفة الأحاديث الإخبار بالغيبيات؛ بل بيان العمليات. فالحديث لا يعطي أصلا جديدا، ولكن يبين طرق التطبيق، ويعطي بعض التفصيلات الجزئية. ويعتمد علما القرآن والحديث على بعضهما البعض، إثبات القرآن بالحديث، وإثبات الحديث بالقرآن، إثبات فضل السنة بالقرآن وإثبات فضل القرآن بالسنة مما يوقع في الدور أو تحصيل الحاصل.
74
بل إن كثيرا من جوانب الفقه القديم يمكن تغييرها، مثل ملازمة المسجد حتى العصر، وهو ما يناقض القرآن بالانتشار في الأرض بعد أداء الصلاة.
75
ويسهب في عرض الفقه القديم. وتتكرر المادة الفقهية لدخولها في أكثر من علم. ويطول عرض أبي حنيفة. ولم يأخذ أي من الحكماء نفس المساحة التي أخذها الشافعي (ص11). وهو علم نقلي خالص لم يقع الاجتهاد فيه؛ ومن ثم تغيب عنه الأسس النظرية. ولا يعرض إلا للشافعية والحنفية وكأنه لا يوجد فقهاء مالكية وحنابلة، المصلحة والظاهر ونوادر الأئمة هي نوع من التحايل الفقهي. ويعرض فقه باقي الأئمة مثل فقه محمد بن الحسن الشيباني في مذهب مستقل.