تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

مع أنه منذ بدأ تأليف «الإحياء» بدأ الرد عليه.

وواضح أن جغرافية الفكر الإسلامي كلها من الموروث، وتتصدر العراق بغداد والبصرة والموصل والكوفة، ثم الشام دمشق وحلب وبيت المقدس، ثم الحجاز مكة والمدينة وبدر، ثم مصر القاهرة، ثم آسيا خراسان ونيسابور وأصبهان وسمرقند وبخارى والري وخوارزم وهراة وبلخ. ولا يكاد يذكر من جغرافية الوافد شيئا. فالحضارة كلها تنبع من البيئة الإسلامية، مدنها ومدارس تعليمها.

50

ويبدو أيضا ضعف الجناح الشرقي؛ فلم تذكر الهند والصين إلا نادرا. فيحكى أن أهل الصين والروم في زمان قديم تباهوا في صناعة النقش، كما أتى علم خواص الإقليم من الهند. ووجد في بلاد الهند، طبقا للخيال الشعبي، حجر منقوش عليه بالعبرية. وقد اختلفت طرق الهند في علم السحر بين تصفية النفس كما هو واضح في كتاب «مرآة المعاني في إدراك العلم الإنساني»، وعن طريق النبط ثم عمل عزائم في أوقات مناسبة كما هو واضح من كتاب ابن وحشية.

51

ومن مصادر الموروث وتاريخه القديم تذكر أيضا طريقة العبرانيين والقبط والعرب في السحر، وذكر أسماء مجهولة المعاني كأنها أقسام وعزائم يزعمون أنهم يسخرون بها ملائكة قاهرة للجن.

52

أما بالنسبة للكلام فقد لعن الله اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والخوارج والروافض والزناة وآكلي الربا والظلمة.

53

كما ينقد الاعتزال لأن أفعال الله مخلوقة له، ومكتسبة للعباد، ومرادة له، ومتفضل عليها بالحق. وله تكليف ما لا يطاق، وله إيهام البريء، ولا تجب عليه رعاية الأصلح، فلا واجب إلا بالشرع. وبالرغم من الصلة الوثيقة بين الفقه والاعتزال، إلا أنه يتم الهجوم على الاعتزال في عرض تاريخي غير موضوعي لعلم الكلام.

54

ويتهم الاعتزال ظلما. التفسير الاعتزالي تهمة مثل «الكشاف» للزمخشري بالرغم من الاعتراف بأنه «معتزلي قوي في مذهبه مفتخر به».

والمنطق جزء من الكلام وليس من الفلسفة؛ لأن الفلسفة مخالفة للشرع، أكثرها الإلهي والطبيعي وكل الرياضي، فلا مانع منه مثل الحساب إلا أن يستدرج إلى مانع، وهو نفس موقف الغزالي.

55

والكلام داخل تاريخ الفقه. الفقه هو العلم الشامل كما كانت الحكمة في الأيام الخوالي. يرد الكلام إلى الفقه. ورئيس أهل السنة في الكلام رجلان، أحدهما حنفي والآخر شافعي. والفقه علم نقلي خالص؛ ومن ثم ينقد صلة الفقه بالاعتزال خاصة وكل فقه الفرق عامة، فقه المعتزلة والخوارج والشيعة.

56

ويضيع الموروث العقلي خاصة الموروث الفلسفي وسط الموروث النقلي خاصة القرآن والحديث والفقه. وتكاد تغيب الفلسفة كلية إلا من الهجوم عليها وتكفيرها، متكلمين وفلاسفة. الفلسفة ضد الارتقاء إلى أعلى لأنها ضياع الإيمان، وبالتالي تدفع إلى الاتجاه إلى أسفل. والحكمة تمويه، اخترعها الفارابي وابن سينا وجملها الطوسي. وقد سموا أنفسهم حكماء الإسلام وهم أعداء الله والأنبياء والرسل، تخالف الشرع. كلها دراسة ترهات وضلال، فهي مذمومة. وقد حرمها ابن الصلاح في فتاويه في العصر السابق.

57

الفلاسفة محرفون للشريعة عن مواضعها، لا يحفظون القرآن ولا الحديث، يتجملون بالشريعة خوفا من المسلمين، ولا يعتقدون بالشرع، ويهدمون قواعد الشرع وينقضونها، فالحذر منهم. ويحرم الاشتغال بالحكمة. فالحكمة ضارة بالمسلمين واليهود والنصارى. شرط الفلسفة عدم مخالفة الشريعة وعدم مزج الفلاسفة بكلام العلماء، فالمتكلم هو العالم والمقياس. والفلسفة بعد ابن رشد كلها شروح على المتقدمين. ولا يكاد يذكر ابن خلدون.

ويغرق الموروث في التصوف، وتكثر الأدعية والشحاذة، وما يسميه إقبال فلسفة السؤال، ومعظمها أدعية فردية لمكاسب شخصية، ولا تعبر عن مصالح الأمة وهمومها وقضاياها الكبرى. بل إن أدعية الرسول مشابهة لأدعية الصوفية مثل أدعية الصحابة. وتكثر لدرجة أنها تبتلع أسماء المؤلفات والمؤلفين، وهما الغاية من التدوين. أصبح الخضر بديلا عن ابن رشد، والدعاء يتناقض مع الإيمان والقضاء والقدر. فإذا كان كل شيء مقدرا مسبقا فما فائدة الدعاء؟ وقد كان هذا هو حال العصر، الدولة العثمانية والدفاع عن مصر ضد الاحتلال الفرنسي بقراءة البخاري في نفس الوقت الذي كان الغرب فيه يفكر ويعمل ويجد. وينتهي العلم ويصب في الدين، وينتهي الانفتاح الحضاري ويبدأ الانغلاق على الذات. ويرث الآخر مسار التاريخ بعد أن خرج منه الأنا. وتكبل الحياة بالدعوات كما هو الحال في الاتجاهات التقليدية حتى لا يكاد يخلو فعل من دعاء حتى ولو كان الجماع. ويتحدث الرسول للصوفية ويظهر لهم في مناماتهم تأكيدا لشرعية العلم. والصوفية كلهم شافعية نظرا للرابطة الجوهرية بين التصوف والأشعرية منذ الغزالي. ويرتبط التصوف بالشعر، فكلاهما إبداع وجداني، عود إلى الروح العربية بعد انتهاء الإبداع الحضاري في العلوم العقلية والطبيعية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٨٣