وأحيانا أخرى يأتي المؤلف بعد العلم ثم المؤلفات بعد المؤلفين، مع حرص على التوالي الزماني نظرا لعلاقة المريدين بالمشايخ وطبقا لمفهوم الطبقات حسب الأهمية العلمية وليس الترتيب الزماني؛ فالعلماء لهم أنساب مما يدل على التواصل بين الأجيال.
وعيب هذه الطريقة دخول المؤلف تحت أكثر من علم، فقه وتاريخ، فالشخصية متعددة الجوانب. وقد يوصف جسم المؤلف نحيفا أم بدينا، قصير القامة أم مديدا، كما هو الحال في وصف الطبري.
43
وأحيانا تذكر الأعلام دون مصنفاتهم إعلانا عن نوع جديد من التدوين، وهي الأعمال دون المصنفات.
والغاية من تدوين العلوم غاية عملية وليست غاية نظرية، لذلك تذكر الفوائد الدينية للعلوم. ليس القصد مجرد وضع العلوم في نسق كلي كما كان الحال عند المؤرخين والفلاسفة الأوائل، بل مجرد تحقيق منافع عملية لعصر متأخر يغلب عليه التدهور والانحطاط. ومن الأفضل في كلتا الحالتين تصنيف الأسماء في مجموعات أقل من أجل التعرف على المدارس الفكرية التي تعبر عن بنية العلم. وقد كانت المصنفات في القرنين الأول والثاني شفاها في الغالب، ثم تحولت إلى مدونات في القرنين الثالث والرابع على الأقل فيما يتعلق بعلوم القرآن. وبدأ التراكم الفلسفي في الظهور في الشروح والهوامش والتخريجات على النصوص الأولى داخل الموروث وليس فقط مع الوافد، بل وتتم ثلاثة أنواع من الشروح: الكبير والوسط والصغير، البسيط والوسيط والوجيز قبل ابن رشد بالرغم من أن الشرح خطوة إلى الأمام والتلخيص خطوة إلى الوراء. الشرح امتداد والتلخيص انقباض. وفي علم رواية الحديث، البداية بالتأليف وليس بالمؤلف، بالطريقة الأولى وليس بالطريقة الثانية. وفي حالة المؤلفين تذكر بعض التواريخ للميلاد أو الوفاة أو للحوادث الكبرى أو على العموم في أوائل القرن أو وسطه أو نهايته. ومعظمهم معمرون.
44
ومن الموروث تتصدر مؤلفات الغزالي ثم الرازي ثم ابن سينا ثم الفارابي ثم ابن حيان وابن الهيثم ثم الطوسي ثم ابن النفيس. ولا يذكر من مؤلفات ابن رشد والبيروني ومسكويه وابن باجة وابن طفيل وأبو بكر الرازي إلا مؤلفا واحدا لكل منهم.
45
أما من حيث أسماء الأعلام فيتصدر الشافعي، ثم ابن عباس، ثم علي بن أبي طالب، ثم أبو حنيفة، ثم السيوطي، ثم أحمد بن حنبل، ثم عمر بن الخطاب، ثم مالك، ثم شمس الدين الذهبي. ولا يظهر أي فيلسوف إلا في المرتبة العاشرة مع أبي بكر. ويأتي الغزالي في المرتبة الثالثة عشرة، والتوحيدي في السابعة عشرة، وابن سينا في المرتبة السابعة والعشرين، والفارابي في المرتبة الثامنة والثلاثين، والكندي في المرتبة الواحدة والأربعين، وحنين بن إسحاق في المرتبة الثالثة والأربعين، وابن البيطار وابن حزم وابن خلدون في المرتبة الأخيرة الرابعة والأربعين. أما ابن رشد فلا ذكر له تقريبا مما يفسر انحسار الفلاسفة عن العلوم وتواري الفلاسفة.
46
وقد يكون ابن رشد قد توارى فعليا داخل العالم الإسلامي بعد محنته في الأندلس وسيطرة الدولة العثمانية على مظاهر الحياة العلمية في البلاد. ثم حيا السلطان معركة «التهافت» و«تهافت التهافت» تعيد لابن رشد صورته وحضوره. إنما غاب من كتب التدوين ربما لأنه أسطورة خلقها الرشديون اللاتين وعداء الكنيسة له، وربما لأثره على نشأة العصور الحديثة في الغرب، وربما من صنع المغاربة وقريبا لابن خلدون تحت وهم الخصوصية والقطيعة.
وتذكر محنة الفلاسفة والمتكلمين مثل عضد الدين الإيجي الذي مات مسجونا، واتهام مؤيد الدين الطغرائي وقتله حسدا وخوفا من فضله، وقتل المقتدر لابن المعتز، وقتل الباخزري في مجلس أنس.
47
وقد تكون المحنة وجودية بمرض أو موت طبيعي.
48
وقد يظهر ذلك في رنة حزن وأسى في أسلوب المؤلف «إنا لله وإنا إليه راجعون»، و«لا حول ولا قوة إلا بالله». والحديث عن الغزالي هو أطول الأحاديث مع إعطائه لقب المناضل عن الدين مع بيان لأساتذته الإسماعيليين بالرغم من كتابته «فضائح البطنية»، وحدوث رؤية له، واقتباس نص من «المنقذ من الضلال»، لوصف سيرة حياته الذاتية.