27
وقد يكون التصنيف بناء على أن العلوم قسمان؛ معاملة ومكاشفة، أفقية ورأسية.
ويحتوي «مفتاح السعادة» على 322 علما، يأتي في مقدمتها علم اللغة، ثم علم التواريخ، ثم علم الدواوين، ثم علم المحاضر. وفي المرتبة الخامسة يأتي علم المنطق (الميزان). وفي السادسة يأتي العلم الإلهي. وبعد ذلك يأتي علم النحو وعلم الكيمياء، ثم علم العروض وعلم آداب الملوك، ثم علم الطب ثم علم الجناس وعلم البديع وعلم أدوات الخط. وواضح امتداد علوم اللغة واختفاء علوم الحكمة.
28
وتظل الأولوية لعلوم اللغة والأدب، حوالي مائة وخمسين علما، في مقابل باقي العلوم كلها التي لا تتجاوز المائة.
أما بالنسبة لأسماء المصنفات، فمن مجموع 2065 مصنفا يأتي «الكشاف» للزمخشري في المقدمة، ثم «إحياء علوم الدين» و«الطبقات الكبرى» للسبكي، و«الصحاح» في اللغة للجوهري، ثم كتاب سيبويه، ثم «الشفاء» لابن سينا، مع «الإتقان» للسيوطي، و«صبح الأعشى»، ثم «جواهر القرآن» للغزالي، ثم «تهافت الفلاسفة». فواضح من هذه الأهمية أولوية علوم التفسير والفقه واللغة والتصوف والأدب قبل أن تظهر الفلسفة ممثلة في كتاب «الشفاء» ثم «التهافت»؛ أي نقد الفلسفة، ووضع «جواهر القرآن» بدلا عنها.
29
وقد اعتمد الكتاب على مصادر مدونة؛ فقد بعد هذا العصر عن المصدر الشفاهي إلا بالنسبة للمشايخ والتلاميذ. وبطبيعة الحال يظهر القرآن وخاصة الحديث كمصدر للتاريخ.
30
ثم تظهر بعض الأعمال الرئيسية؛ أي المصادر بلغة العصر مثل «الإحياء» للغزالي، «مناهج البلغاء» لحازم القرطاجني، «عوارف المعارف» للسهروردي. كما تظهر بعض المراجع من كتب التاريخ السابقة مثل «وفيات الأعيان» لابن خلكان، «طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة. «تاريخ الإسلام» للذهبي، «طبقات الشافعية» للإسنوي، و«أخبار الحكماء» للقفطي.
31
والقرآن والحديث مصدران رئيسيان كما هو الحال في المقدمات الأربعة الأولى. كما يتدخل التوراة والإنجيل كمصدرين مكملين نظرا لوحدة المصدر في الكتب المقدسة.
32
ويتم أحيانا التحقق من صدق الروايات المستعملة كمصادر.
33
وتتنوع المصادر، فمثلا في بيان فضيلة العلم والتعليم يتم الاعتماد على الآيات والأخبار والآثار ودلائل يقتضيها العقل السليم.
34
وبعض العلوم قسمة أو تسمية تدل على وعي علمي بالتصنيف مثل علم الوضع،
35
وكما استعمل الشاطبي من قبل «أحكام الوضع». كما تدل بعض أقسامه على حالة العصر وحاجاته مثل الجنس كما هو الحال في العصور المتأخرة مثل كتاب النساء وعلم الغنج مع الرقص والموسيقى والآلات.
36
ويدل هذا التصنيف للعلوم على وعي علمي تاريخي وليس مجرد إحصاء كمي؛ فالتصنيف خبرة علمية معاشة.
37
كما يبدو الوعي التاريخي في الإحساس بالفرق بين المتقدمين والمتأخرين.
ويقع المؤلف في الاستطراد نظرا لخروجه عن الموضوع بقصد إعطاء أكبر قدر ممكن من المعلومات حوله، فيذكر به، ويحيل إلى السابق، ويعترف بالإطناب.
38
وفي نفس الوقت يتم الإغراق في الإيمانيات؛ فالله أعلم بالصواب والموفق للرشاد والمستعان.
39
والشعر أيضا كما هو الحال في المؤلفات المتأخرة مصدر من مصادر التاريخ. وهو ثقافة العرب الأولى قبل الإسلام وبعده في العصور المتأخرة. تعطي الشواهد الشعرية على أهمية العلم عامة والعلم المنقول خاصة بالرغم من التعامل مع العلوم بمنطق المدح والذم. ويعبر بالشعر عن أهمية علوم القرآن.
40
وتكثر الشواهد الشعرية في عديد من الموضوعات.
41
وأحيانا تأتي الشواهد الشعرية للمبالغات، مثل معجزات العلماء أو التشنيع على المعتزلة.
42
وبعد عرض العلوم تعرض المؤلفات أولا والمؤلفين من خلال المؤلفات ثانيا؛ فالعلم هو الوحدة الأولى، والمصنفات الوحدة الثانية، والمصنفون الوحدة الثالثة على شكل هرمي، مع حرص على الترتيب الزماني بغية وصف النصوص الأولى قبل شروحها وملخصاتها. فالأعمال هي وحدة التحليل قبل أن تتحول إلى أقوال. تبدأ السيرة بالعمل ثم بالمؤلف، ثم تأتي أعماله بلغاتها المختلفة.