32
وأحيانا تكون المقارنة بين الوافد والموروث؛ فالموضوع واحد، والفلاسفة المتأخرون في الإسلام هم استمرار للفلاسفة المتقدمين اليونان. ويدخل المسلمون طرفا في خلافات اليونان لبيان المواقف المتشابهة والمختلفة بين الثقافتين، أو من أجل استعمال مواقف الموروث لحل خلافات الوافد؛ فقد اختلف الأوائل في الإبداع والمبدع، هل هما معنى واحد، أم إن الإبداع نسبة إلى المبدع وإلى المبدع. وهو نفس إشكال المسلمين في الإرادة بالنسبة للمريد والمراد، وفي الخلق بالنسبة للخالق والمخلوق. وكذلك مقارنة خروسيبوس وزينون الرواقي من اتحاد الجوهرين؛ البدن والنفس، وهما شيء واحد عند الحسن البصري. وأحيانا تتم المقارنة في لا زمان؛ فالفلاسفة جميعا يعيشون معا ويتعاصرون ويتحاورون في ذهن المؤرخ مثل ظهور أبو زكريا الصيمري مع الإسكندر.
33
وكان اليونان على صلة بغيرهم من الثقافات البابلية والفارسية والهندية والمصرية، يتعلمون ويعلمون، مما يجعل تاريخ الفلسفة اليونانية هو في نفس الوقت تاريخ الثقافات القديمة كلها. والدليل على ذلك هرمس اليوناني البابلي المصري الإسلامي. وتتم المقارنات مع حكماء الهند وفارس والروم والعرب من خلال عرض الفلسفة اليونانية، بالإضافة إلى أقسامهما المستقلة، وكأن اليونان هم المركز والثقافات القديمة هي المحيط.
34
فالحرانية تنسب مقالاتها إلى أغاذيمون وهرمس وأعيانا وأواذي، وهم أنبياء أربعة، أو إلى سولون جد أفلاطون لأمه. وكان لفيثاغورس تلميذان رشيدان؛ فلنكس (مرزنوش) دخل فارس، ودعا الناس إلى حكمة أستاذه بالإضافة إلى مجوسية قومه، فأخذ المجوس الجسمانية، وتركوا الروحانية.
35
ودخل تلميذ آخر (قلانوس) الهند، ودعا الناس إلى حكمة أستاذه مضافة إلى البرهمية، فأخذت الهند الروحانية، وتركت الجسمانية. وفي الهند رمز الحمامة المطوقة، والحمامة الواقعة في الشبكة للخلاص من المادة أو الانغماس فيها. وكان لليونانيين بيوت ليس بها نار للديانة المجوسية، وآخر به نار على باب القسطنطينية في بلاد الروم، والبعض في شرق الصين. كانت فارس هي المركز، وشرقها في الهند والصين وغربها في اليونان والرومان هما الأطراف.
36
وتبدو مصر أحيانا منبعا للفكر اليوناني، ويبدو الفلاسفة اليونانيون تلاميذ للحكماء المصريين، فقيل إن فلوطرخيس - وهو أول من شهر بالفلسفة ونسبت إليه الحكمة - قد تفلسف بمصر قبل أن يعود إلى ملطية. ويقارن أيضا اليونان مع النصارى، الظلم والهاوية عند أرسطو بالظلمة الخارجة عند النصارى.
37
ويقارن الشهرستاني بين الفلسفات القديمة وموقفها من النبوة؛ فبعض حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات مثل بعض حكماء العرب. وهم شرذمة قليلة لأن حكمتهم فلتات طبع وخطرات فكر، في حين يقول آخرون بها. وقد انقسم حكماء الروم إلى قدماء ومحدثين، أوائل وأواخر، يونان مثل الرواقيين والمشائين ومسلمين ، وهم حكماء العجم، لأنه لم يكن للعجم قبل الإسلام فلسفة، بل كانوا يستقون حكمهم من الملل القديمة أو من سائر الملل. وخلط الصابئة الحكمة بالصبوة، حكمة الروم واليونان هي الأصل، وغيرهم كالعيال لهم! ويجعلهم مجموعتين؛ الحكماء السبعة ومن تبعهم من الحكماء.
38
ويفرد الشهرستاني للهند مساحة كبيرة وختم بها أرباب الملل والنحل؛ فالهند أمة عظيمة وآراؤهم مختلفة بين براهمة ودهرية وثنوية، تؤمن بإبراهيم، وأكثرهم صابئة تختلف فيما بينها بين قائل بالروحانيات، وقائل بالهياكل، وقائل بالأصنام، وحكماء على طريقة اليونان في العلم والعمل. (1)
البراهمة: والاسم ليس مشتقا من إبراهيم؛ لأنهم ينكرون النبوات أصلا، بل من برهام؛ لاستحالة النبوة في العقول وتعارض كثير من الشرائع مع العقول مثل الشعائر وذبح الحيوان، وهم ثلاثة أصناف: