24
أما الموروث فيتصدر ابن سينا على الإطلاق، فهو نموذج فلاسفة الإسلام والممثل لهم جميعا بالرغم من ذكر عشرين آخرين لا فرق بين رواة وفلاسفة، بين مترجمين وشراح، ولا فرق بين كبار الفلاسفة مثل الكندي والفارابي والعامري ومسكويه وصغارهم.
25
ويعتبرهم جميعا من المتأخرين. واليونان من المتقدمين، امتدادا لليونان عند المسلمين كما يدعي المستشرقون المحدثون في الغرب، وكأنهم لا أصالة لهم ولا دور حضاري لهم إلا تبعية اليونان. كلهم أتباع أرسطو إلا القليل الذي تابع أفلاطون مما يكشف عن نزعة عقلية واقعية عند المسلمين. رمزهم ابن سينا وزعيمهم الأول، يقتبس منه الشهرستاني عرضا للفلسفة، المنطق والإلهيات والطبيعيات؛ فابن سينا هو الفلسفة، والفلسفة هو ابن سينا.
26
وهو إجحاف بالفلاسفة إلا ابن سينا، إعطاء الفلاسفة أقل مما يستحقون، وإعطاء ابن سينا أكثر مما يستحق. ويشمل الموروث أيضا القرآن والأنبياء، شيث وإدريس وداود ولقمان. والنصارى جزء من تاريخ الإسلام.
27
ويقارن الشهرستاني فلاسفة اليونان بين بعضهم البعض؛ فالفلسفة اليونانية تمثل وحدة واحدة، كلا حضاريا واحدا، يختلف الفلاسفة فيما بينهم ويتفقون داخل الحضارة اليونانية قبل أن ينتشر الخلاف بين الفلاسفة خارجها عند الشراح، يونان ومسلمين. الفلسفة اليونانية تشرح بعضها البعض، لها مسارها الخاص، وبيئتها الخاصة، ترد إلى الداخل قبل أن تنتشر في الخارج. وهو ما فعله ابن رشد فيما بعد في شروحه على أرسطو بإرجاعه إلى تراثه اليوناني وجدل الفلسفة اليونانية من سقراط إلى أفلاطون إلى أرسطو، فلا يفهم الجزء إلا بوضعه في الكل الذي خرج هذا الجزء منه. ويبدو أن هناك تقسيما للعمل لا إرادي بين فلاسفة اليونان؛ إذ اقتصر سقراط من الفلسفة على الإلهيات والأخلاقيات دون التعرض للمنطق والطبيعيات كما سيفعل أرسطو فيما بعد، وبالتالي تكتمل دورة الفلسفة اليونانية بين سقراط الإنسان، وأفلاطون الإلهي، وأرسطو الطبيعي.
28
وقد يتحول الخلاف بين الفلاسفة إلى معارك وردود مثل رد الحكماء المتأخرين على أنكساجوراس في إثباته جسما مطلقا لم يعين له صورة سماوية أو عنصرية، وفي نفي النهاية عنه ، وفي قوله بالكمون والظهور، وفي بيان سبب الترتيب وتعيينه المرتب.
29
ويبين الشهرستاني بداية الفلسفة اليونانية وأول القائلين ببعض آرائها؛ فأنكساجوراس هو أول من قال بالكمون والظهور، وهي الألفاظ التي ظهرت عند أصحاب الطبائع من المعتزلة.
30
والشعر عند اليونان كان سابقا على الفلسفة، وتلك أهمية هوميروس وطاليس. وقد خالف أرسطو أستاذه أفلاطون؛ فعند الأستاذ كل إنسان مسير لما خلق له، له طبع مهيأ لشيء لا يتعداه، وعند التلميذ إن كان الطبع سليما صلح لكل شيء، وهو الخلاف بين الطبع والاكتساب. وعند الأستاذ النفوس الإنسانية أنواع لا تتعداها إلى ما عداها، وعند التلميذ النفوس الإنسانية نوع واحد إذا تهيأت نفس لشيء تهيأ النوع لها. كما اختلف فيثاغورس وسقراط هل الحكمة قبل الحق أم الحق قبل الحكمة؟ ويحكم الشهرستاني في هذا الخلاف بأن الحق أعم من الحكمة، إلا أن الحق قد يكون جليا وقد يكون ضعيفا. أما الحكمة فإنها أخف من الحق ولا تكون إلا جلية. الحق مبسوط في العالم مشتمل على الحكمة المستفيضة في العالم. والحكمة موضحة للحق المبسوط في العالم. الحق ما به الشيء والحكمة ما لأجله الشيء.
31
وتتم المقارنات بين فلاسفة اليونان من أجل إيجاد بنية للموضوع بعد تركيبه ورؤيته ومعرفة اختلاف الأسماء عليه؛ فتاريخ الفلاسفة يؤدي إلى الفلسفة، والتاريخ يكشف عن البنية، فما سماه أرسطو البخت سماه جرجيس قوة روحانية مدبرة للكل. وزعم الرواقيون أنه نظام لعلل الأشياء. وقال رابع إنه الحد. كما خالف أرسطو ومن بعده من الحكماء أستاذه أفلاطون في نظرية المثل أو الصورة مرجعين الصورة إلى الأجسام، والأنفس إلى الأبدان.