37
وكل مشيئة فبمشيئة الله، له الحكم والخلق والتقدير.
38
والله علام الغيوب، عليم بكل شيء. وهو أعلم بالصواب وبحقائق الأمور.
39
ربما أخذ ابن خلدون أكثر مما يستحق في عصرنا بسبب المغاربة أنصار الخصوصية والقطيعة، والماركسيين المشارقة وقراءتهم المادية الجدلية له، والمستشرقين الوضعيين الباحثين عن أصول الوضعية الاجتماعية عنده. مع أنه أشعري حتى النخاع، فقيه من الفقهاء ضد الفلسفة والعلم. ابن خلدون التاريخي ضد ابن خلدون المعاصر. وابن خلدون نفسه يفتح الطريق لأجيال قادمة لإكماله كما فعل ابن سينا في آخر كتاب الشعر من «الشفاء». يطالب بالغوص في المسائل، وتعيين موضوع العلم، وإكمال المتأخرين للمتقدمين، وكأنه يطالب بابن خلدون جديد يكمل المسار، ويأتي بعده بسبعة قرون كما أتى هو بعد نشأة الحضارة الإسلامية بسبعة قرون. يؤرخ للنهضة كما أرخ هو للانهيار. وإذا كان ابن خلدون القديم قد كتب المقدمة في خمسة شهور، فإن ابن خلدون الجديد قد يعيد كتابتها في العمر كله لو استطاع بسبب قصر العمر.
40
| خامسا: تاريخ الفرق
وقد دونت كتب تاريخ الفرق أيضا تاريخ الفلسفة. ووضع الفلاسفة ضمن الفرق غير الإسلامية «الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية». كما هو الحال عند الشهرستاني (548ه) في «الملل والنحل»، والتي تبلغ ثلاثة أجزاء من مجموعة الخمسة أجزاء نظرا لإفاضة الشهرستاني فيها واضعا الفلاسفة لأول مرة مع الديانات والملل والنحل: اليهود، النصارى، المجوس، والزرادشتية، والمزدكية، والثنوية، والشنتوية ... إلخ. وأهل الأهواء والنحل: الصابئة وأصحاب الروحانيات والحنفاء (الجزء الثالث). ثم يخصص جزءا بأكمله (الرابع وبعض الخامس) للفلاسفة اليونان بعد الصابئة: هرمس، أصحاب الهياكل والأشخاص، الحرانية، الفلاسفة، ويجعل المتأخرين من فلاسفة الإسلام نموذج ابن سينا امتدادا لليونان مع العرب في الجاهلية: الهند، أصحاب الروحانيات، عبدة الكواكب، عبدة الأصنام، حكماء الهند (الجزء الخامس). والشهرستاني هو الوحيد الذي أعطى هذه الأهمية للفرق غير الإسلامية. ولم يكتف باليهود والنصارى كما فعل ابن حزم ولكن أضاف فلاسفة اليونان وفلاسفة الإسلام والصابئة وحكماء الهند. ومع ذلك يوجد بعض التكرار للفلاسفة وللثقافات خاصة الهندية والفارسية، ربما بسبب الجمع بين منهج العرض الذي يذكر فيه الموضوع ومنهج المقارنة الذي يعاد فيه مقارنة الموضوع.
1
ويتميز الشهرستاني بإدراك جيد للمذاهب وإحساس فلسفي بها. وفي عرضه للآراء والأقوال بصيرة ووضوح تكشف عن قدرة على التفلسف فهما وتعبيرا وإيصالا حتى في أشد الموضوعات تجريدا مثل رياضة فيثاغورس ومنطق ابن سينا، وفلسفة أرسطو في ست عشرة مسألة تعرض الإلهيات والطبيعات دون المنطق اكتفاء بعرضه عند المتأخرين من فلاسفة الإسلام، ابن سينا نموذجا.
2
وقد يخطئ أحيانا في تصنيف المذاهب عندما يجعل هيراقلطس وأباسيس من مدرسة فيثاغورس الرياضية، وهم من المدرسة الطبيعية.
3
وتبدو أحيانا نغمة التشيع في تاريخ الشهرستاني مثل انبثاق نور إبراهيم جليا في إسحاق وخفيا في إسماعيل، ووصية موسى لهارون جلية وليوشع خفية؛ لأن الإمامة بعضها مستقر وبعضها مستودع.
4
يدخل الفلاسفة إذن ضمن أهل الأهواء والنحل في مقابل أرباب الديانات، دين الوحي في مقابل دين الطبيعة الذي يقوم على الفطرة السليمة والعقل الكامل والذهن الصافي.
5
وأحيانا يضل العقل ويختلف العقلاء في مدارس فكرية ست هي: (1)
السوفسطائيون: إنكار المحسوس والمعقول، وبالتالي استحالة قيام العلوم لأنهم ينكرون المعارف كلها، حسية أو عقلية. فلا يوجد شيء يمكن معرفته. وإن عرف فإنه لا يعرف على وجه اليقين. (2)
الطبيعيون الدهريون: الاعتماد على الحس وحده وإنكار المعقول، وإثبات كل ما هو محسوس وإنكار كل ما يتجاوز الحس. (3)