تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

والنحو ينظر الممارسة في الواقع باعتباره هو العلم الذي يضع قواعد اللغة ومنطق الكلام. ويفصل ابن خلدون اللهجات العربية، واللسان المضري، رادا اللسان إلى القبيلة، عرب وبربر، ثم قسمة العرب إلى قبائل، مضر وغيرها. ويركز على الملكة والذوق في اللغة، وأنها لا تحصل للمستعربين من العجم لرسوخهم في العجمة البربرية. اللغة وجدان وليست اكتسابا، وطبيعة وليست صنعة، موهبة وليست تعليما، من ممارسة البدو وليست من تقعر الحضر.

18

ويعتبر ابن خلدون علم البيان حادثا في الملة ربما من حيث القواعد وليس من حيث الممارسة التي صاغها الوحي في القرآن من حيث إن صناعة النظم والنثر في الألفاظ لا في المعاني، مع أنه يصعب التمييز بين اللفظ والمعنى. فتعريف البلاغة هو «اقتضاء القول طبقا لمقتضى الحال». وينقد ابن خلدون المحفوظ في النثر ويقبله في الشعر لأنه يقوي الذاكرة ويخصب الخيال. وينقد التكسب بالشعر حتى صار غرضه هو الكذب والاستجداء لذهاب المنافع التي كانت فيه للأولين.

19

ويكثر في نهاية المقدمة من الشعر والأزجال والموشحات الأندلسية مؤكدا على الخصوصية الإقليمية الأندلسية، وكما يفعل بعض المغاربة المعاصرين متوشحين بمفهوم القطيعة المعرفة الوافد من الغرب الحديث وشاعرا بأنه قد خرج عن القصد من كتابة المقدمة.

20

إنما القضية في العلمين اللذين يخرجهما ابن خلدون من تصنيف العلوم، وهما الكيمياء وما يرتبط بها من سحر وطلسمات، والفلسفة وما يرتبط بها من أحكام النجوم. فالكيمياء أبعد العلوم عن الصنائع. ويؤثر ابن خلدون بدلا منها في وصف العمليات الكيميائية التدبير على بركة الله واعتبارها «من جنس النفوس الروحانية وتصرفها في عالم الطبيعة، إما من نوع الكرامة إن كانت النفوس خيرة أو من نوع السحر إن كانت النفوس شريرة». ويعتبرها أقرب إلى صنعة البداوة، اصطنعها خالد بن يزيد بن معاوية من الجيل العربي البدوي الأول، والعرب على أية حال أبعد عن العلوم والصنائع.

21

كما يبطل ابن خلدون علم أحكام النجوم وتأثير الكواكب فيما تحتها، فلا فاعل إلا الله؛ فهي صناعة باطلة من حيث الشرع وضعيفة من حيث العقل، وضارة للعمران البشري لما تفرزه من عقائد فاسدة على العوام.

22

ويبطل صناعة الكواكب ويجعل المعاش بالطرق الطبيعية كالفلاحة والنجارة. وينقد علم السحر والطلسمات والشعوذة لأنه موجه إلى غير الله والسجود له، والوجهة إلى غير الله كفر. ويبين، وهو المؤرخ، تاريخ السحر عند العبرانيين والكلدانيين والمصريين والربانيين والبابليين والنبط والهنود والسودان والترك وجابر بن حيان. وينقد المشتغلين بالأعمال السحرية وإشراك الروحانيات والجن والكواكب في أفعال البشر وظواهر الطبيعة. ولم تفرق الشريعة بين السحر والطلسمات، وحرمته للسيطرة على الأفعال الناقصة في الدنيا. ومع ذلك يحاول تفسيره على نحو معنوي، استعداد النفوس البشرية للتأثير في عالم العناصر من غير معين وهو السحر، وبمعين وهي الطلسمات كما هو الحال في التنويم المغناطيسي في العصر الحديث، ولأثره في الروح المعنوية. كما يعترف للمتصوفة ببعض الكرامات بالإمداد الإلهي ومن آثار توابع النبوة. وقد سحر الرسول وفكت عائشة عقدته! والعجيب أن ابن خلدون ينقد الفلاسفة ويبين فساد منتحليها بأكثر مما يفعل مع بطلان السحر وفساد منتحليه!

23

والقضية الثانية «في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها» مع صناعة النجوم وثمرة الكيمياء في نهاية العلوم العقلية.

24

والفلسفة هي الوحيدة التي لها فصل في إبطالها، وبيان أن هذا الفصل مهم. ويبدأ ابن خلدون بعرض تاريخي لنشأة الفلسفة وتطورها مع تقييمها. ويلخص الفلسفة والمنطق والأخلاق بداية بالوافد ونهاية بالموروث دون تحديد لتواريخ مولد أو وفاة، وهو المؤرخ الحصيف. ويتساءل عن أصلها من فارس وعراق العجم جزء من فارس أو من الروم وتعني اليونان باعتبار أن الروم ورثة اليونان، ونظرا لأن حروب العرب كانت مع الروم.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٦٨