تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعلوم العقلية سبعة : العدد والهندسة (مناظرة ومخروطات وكروية) والهيئة (الأزياج)، والموسيقى، والمنطق، والطبيعات (الطب والفلاحة)، والإلهيات. والعلوم الأربعة الرياضية الأولى هي الرباعي المعروف في مقابل الثلاثي الذي وصفه ابن خلدون في القسمة الثالثة، علوم اللسان العربي، ويستبدل به ثلاثي الحكمة المنطق والطبيعات والإلهيات دون أن يسميها فلسفة. وهي أدخل في العلوم النقلية العقلية. وقد يكون الدافع على جعلها علوما عقلية خالصة هو ضمها إلى الوافد، وبالتالي سهولة نقدها واستبعادها قبل تحريمها بفتاوى ابن الصلاح بعد ذلك بقرن.

ثم يضع مجموعتين من العلوم خارج إطار المنظومة لاستبعادها ونقدها. الأولى السحر والطلسمات، والكيمياء، والثانية الفلسفة والنجوم. وهما المجموعتان اللتان يأخذ فيهما ابن خلدون موقفا صريحا بالإبطال في العنوان «في إبطال الفلاسفة وفساد منتحليها».

11

وتظل علوم أخرى خارج المنظومة، مثل النبات والحيوان والمعادن والصيدلة، وهي من العلوم الطبيعية. وعلوم الجغرافيا والتاريخ، وهو مؤسس النظرية الجغرافية وفلسفة التاريخ.

وبالنسبة للعلوم النقلية؛ أي الموروث، يبين دخول الإسرائيليات في التفسير، كما يبين صلة الحديث بالفقه؛ فالفقه إعادة تبويب للحديث. ويفيض في بيان أهمية أصول الفقه وهو الأصولي؛ فهو من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة، ويقارنه مع علوم القرآن. يذكر داود الظاهري ولا يذكر ابن حزم وهو أندلسي مثله. ويذكر ابن رشد فقيها لا فيلسوفا مع أبي زيد وابن يونس وأبي عمرو بن الحاجب، ولا يذكر ابن حنبل ضمن المدارس الفقهية الأربع.

12

ويدافع عن التصوف السني الأشعري ويعتبره من العلوم الشرعية. ويرفض التصوف الشيعي الذي ينتهي إلى الحلول والاتحاد والتصوف الإشراقي الفلسفي عند ابن سينا، وكأن التصوف السني لم يقل بالاتحاد والحلول والوحدة؛ وحدة الشهود عند ابن الفارض ووحدة الوجود عند ابن عربي. وبين الصلة بين التصوف والتشيع كنوع من المقاومة الوجدانية القلبية؛ فمملكة الروح قادرة على هزيمة مملكة الجسد، ومدينة الله أقوى من مدينة الأرض. وفي علم تعبير الرؤيا يعتمد ابن خلدون على نظرية الأبخرة لتفسير الرؤية الصالحة، وهي نظرية فلسفية تعتمد على تفسيرات الفلسفة للرؤيا بنظرية الاتصال وهو يبطل الفلسفة ويبين فساد منتحليها.

13

أما بالنسبة إلى العلوم العقلية فيعتبر ابن خلدون الحساب فرعا لعلم العدد، وكذلك المعاملات مع أنها تطبيقات له كالمحاسبة. ولا يتحدث عن الدوافع لنشأة هذا العلم، حاجة الفرائض، الصلة والمواريث، إلى الحساب. كما يجعل الكريات والمخطوطات من فروع الهندسة وكذلك المناظرة من خلال الرؤية والنظر مثل ابن الهيثم؛ أي المنظور بلغة العصر. كما يجعل الأزياج من فروع علم الهيئة.

14

وينقد التجربة في الفلك نظرا لقصر العمر وهي تستلزم التكرار. وفي الغالب لا ينقد ابن خلدون العلوم العقلية خاصة الرياضية لأنها علوم الوسائل لا علوم الغايات، يتفق عليها الجميع ويقينية مضبوطة.

أما المنطق والطبيعات والإلهيات فإنها علوم عقلية صرفة لا شأن للعلوم النقلية بها؛ ومن ثم لا يمكن لعلم الكلام، وهو من العلوم النقلية، إصدار الأحكام عليها بالصواب والخطأ نظرا للتمييز بين العلمين في البداية. ولم ينشأ الخلط بينهما إلا عند المتأخرين عندما تحول علم الكلام إلى علم فلسفي وتسربت الفلسفة إلى علم الكلام بعد نقد الغزالي لها.

15

غرض الكلام هو الرد على الملحدين وغلاة الصوفية وليس المنطق والطبيعات من هذا النوع. بل إن ابن سينا «كان يخالف أرسطو في الكثير من مسائل «الطبيعيات» ويقول برأيه فيها».

16

أما علوم اللسان العربي؛ النحو، واللغة، والبيان، والأدب، فهي ضمن علوم الوسائل لا الغايات. العلوم اللسانية إذن لفظ قديم وليس لفظا حديثا. وتأتي في النهاية بعد العلوم النقلية والعلوم العقلية وليس في البداية كما هو الحال في الغرب الحديث.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٦٧