تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

فالقضية الأولى تعارض توجه العلم نحو العمل، وتحول النظر إلى ممارسة، والعياذ من علم لا ينفع، وضد التزام العالم بقضايا الوطن، وتحويله إلى مجرد حامل علم أو بائع له لمن يشاء في الداخل أو الخارج. فالعلم والمال لا وطن لهما. وعدم تسييس العلم تحويله إلى مهنة أو حرفة، وليس إلى رسالة أو أمانة بدعوى لا سياسة في الجامعة ولا جامعة في السياسة مثل عدم تسييس الدين وتحوله إلى مجرد إيمان وعقائد وشعائر وطقوس بدعوى لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، وكما يقال في عصرنا الحاضر دفاعا عن نظم التسلط والطغيان.

والقضية الثانية قد تكون كلمة حق يراد بها باطل؛ فهو حكم تقريري تعززه الأحاديث النبوية «العلم في فارس»، «لو كان العلم في الثريا لناله رجال من أهل فارس». ويؤيده الواقع، فالفرس غالبية السكان والأكثر عددا. وقد كانوا أهل حضارة أو علم سابق على الإسلام وليسوا بدوا. وربما لكونهم من المعارضة السياسية والأقلية المضطهدة تجاه النظم السياسية والأغلبية القاهرة. والأقليات المضطهدة عادة ما تلجأ إلى العلم كأداة للقوة مثل حال اليهود في العالم اليوم. ربما لأن العرب تفرغوا للرياسة واستأثروا بها فتفرغ الفرس للعلم وأبدعوا فيه. والعلم هو السلطة الفعلية الدائمة والسياسة هي السلطة الوقتية الذاهبة. وقد يراد بذلك الباطل إذا ما تم تأويله على نحو شعوبي عنصري، وكأن الفرس أصحاب عبقرية خاصة بهم كما هو الحال في النظريات العنصرية الغربية المعاصرة.

وفي نفس الوقت يقول ابن خلدون بدورات التاريخ، وبذهاب العلم بذهاب الأمصار، وبانتقاله من العجم إلى مصر، نظرا لتحول العجم إلى البداوة، ومصر إلى الحضارة، فمصر أم الدنيا، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع، مصر المحروسة. وبقي بعض الحضارة إلى ما وراء النهر؛ أي إلى آسيا، وبالتالي تكون مصر وآسيا وريح الشرق محور الحضارة القادم.

6

كان لديه إحساس بوجود حضارة في الشمال، الإفرنجة في شمال الأندلس أيام تغلب النصرانية وازدهار العلوم العقلية عند الفرنجة، وكأن الحضارة قد تحولت من العجم إلى مصر، وحفظتها مصر في عصر الموسوعات في نفس الوقت الذي تحولت فيه إلى الشمال، إلى أوروبا المعاصرة.

7

وانتقل الصراع من الشرق إلى الغرب إلى الشمال والجنوب، وبالتالي تكون دراسة الغرب المعاصر جزءا من تاريخ الحضارة الإسلامية وانتقالها من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال. وقد تعود بعد ذلك، طبقا للإرهاصات الحالية من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب.

8

وبعد هذه المقدمة النظرية في العلم والتعليم يصنف ابن خلدون العلوم تصنيفا ثلاثيا: العلوم النقلية والعلوم العقلية وعلوم اللسان العربي على قدر متساو تقريبا في الكم أو مع زيادة ملحوظة في العلوم العقلية.

9

وهي القسمة الشائعة في تصنيف العلوم لولا أن ابن خلدون يستبدل بالعلوم النقلية العقلية علوم اللسان العربي. وهي قسمة تبدو معاصرة تشبه قسمة مشروع «التراث والتجديد». فالعلوم النقلية هي التراث القديم، والعلوم العقلية هي التراث الغربي، وعلوم اللسان العربي هي الواقع المعاش. وتسمى العلوم النقلية العلوم الوضعية لأنها تقوم على الخبر؛ أي التاريخ والشرعيات؛ أي الواقع العملي في سلوك الناس، وكما قال الشاطبي قبله إن الشريعة الإسلامية شريعة وضعية. ويسمي العلوم العقلية الطبيعية لأنها تشمل العلوم الرياضية والطبيعية نظرا لوحدة الوحي والعقل والطبيعة.

10

وتشمل العلوم النقلية ثمانية علوم: القرآن والتفسير والقراءات، الحديث، الفقه، الفرائض، أصول الفقه، الكلام، التصوف، تعبير الرؤيا. ويلاحظ وضع علم التفسير في علوم القرآن وهو علم مستقل، وقسمة علم الفقه إلى فقه وفرائض وهو نفس العلم، وإدخال علم أصول الفقه والكلام والتصوف ضمن العلوم النقلية وهي من العلوم النقلية العقلية مع الفلسفة، وإدخال علم تعبير الرؤيا مع العلوم النقلية لتأليف ابن سيرين فيه، وهو أحد أعلام الصحابة مع أنه لم يدخل مسبقا في تصنيف العلوم على نحو مطرد. وهو أدخل في التصوف أو الفلسفة لارتباطه بالنفس وبالتالي يكون أقرب إلى العلوم النقلية العقلية، واستبعاد علم السيرة وهو تطوير لعلم الحديث، وتحول من القول إلى الشخص.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٦٦