والموروث من حيث مساحة أسماء الأعلام الصدارة فيه للسهروردي، ثم لقمان الحكيم ثم ابن سينا، المراتب الثلاثة الأولى، وهم حكماء الإشراق من عشر مراتب.
90
أما من حيث الأسماء والقبائل فيتأخر الموروث عن الوافد كثيرا. ولا يظهر الفلاسفة إلا في المرتبة السابعة من مراتب تسع، ثم الأولياء وإخوان التجريد والترك والحنفاء والمتكلمون والمعتزلة، ثم أصحاب الكهف والباطنية والبرامكة وبنو أمية والصوفية، والعباسيون، والكرامية، والمسلمون.
91
كما تدل كثرة أسماء الأماكن الجغرافية على الموروث ومحلية الفكر.
أما الجناح الشرقي فهو بين الوافد والموروث، هو وافد لأنه من فارس والهند وبابل ومصر وكنعان، وهو موروث لأنه تحول من خلال الترجمة إلى موروث. كما أن الحضارة الإسلامية وريثة الحضارات الشرقية ومعبرة عنها ومطورة لها في إحدى مراحلها. وتظهر فارس في صورة فلاسفتها مثل زرادشت وبازماك وبهمنيار بن المرزبان، وملوكها مثل: دارا أو كسرى ونمرود بن كورش. كما تظهر الهند في صورة فلاسفتها وملوكها أيضا مثل كشتاسب وسابور وسنجر. وتظهر بابل في صيغة ملكها نبختنصر وفيلسوفها هرمس البابلي كما تظهر مصر وملكها أماسيس.
92
أما أسماء الأمم والقبائل فيأتي الفرس في المقدمة ثم الصابئة والعرب، ثم الكلدانيون، ثم المصريون وبنو إسرائيل ثم البراهمة والنصارى والهرامسة ثم الترك والحنفاء والعبرانيون ثم البابليون والحواريون والروس والعجم والمجوس.
93
ولكل شعب خصائصه تبدو في علومه كما هو الحال في علم اجتماع المعرفة في الغرب الحديث. الموسيقى عند اليونان والهندسة في مصر والحساب في فينيقيا والطبائع في الشام على عكس ما هو شائع من بداية كل شيء باليونان. وينشأ تدوين العلوم بعد نشأتها عند كل الشعوب، الصين والهند وفارس ومصر واليونان والأندلس عند ملوك الطوائف. ولا فرق بين كسرى أنوشروان والمأمون وهارون الرشيد وشرلمان في حب العلم وتشجيع العلماء، وحدة حضارية واحدة قديمة. لذلك نشأت صناعة الورق عند القدماء مع التدوين. فالتدوين مهنة وصناعة.
94
والحكماء إما هنود مثل البراهمة الذين ينكرون النبوات، وإما عرب وهم أقلية يقولون بالطبع بالإضافة إلى خاطرات الفكر وربما بالنبوات، وإما يونان وهم الروم، قدماء ومتأخرين. والمتأخرون مشاءون ورواقيون وإسلاميون. فالفلسفة الإسلامية امتداد للفلسفة اليونانية في عصر متأخر.
95
وترسم الشخصية (86 شخصية) بالعناصر الرئيسية المكونة لملامحها مع تجاوز السيرة والاسم والنسب والمولد والوفاة والحياة والسيرة إلى الاتجاه الفكري والأعمال والأقوال. ومع ذلك فهي سيرة باهتة خالية من القراءة والتأويل على عكس قراءة أعلام الوافد. فالمسلمون يستأنفون حضارة اليونان، وحكماء الإسلام هم امتداد لحكماء اليونان، والمتأخرون بالنسبة إلى المتقدمين. وليس لكل الفلاسفة ميلاد أو وفاة، إنما العمر والحياة والعصر يكفيان. فليس الزمان متقطعا في لحظات، بل ديمومة في حياة. وبالرغم من تعدد الثقافات والديانات داخل الحضارة الإسلامية، إلا أنه أحيانا تذكر ملة الفيلسوف، الحرانية الصابئة، أو اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، سواء إذا بقي على دينه أو تحول إلى الإسلام.
96
وواضح أن ابن سينا مدرسة بمفرده له تلاميذ عدة.
97
وله أصدقاء كثيرون. وكان أبو سليمان المنطقي السجستاني مدرسة بأكملها، حلقة مفكرين. والإخوان أنفسهم مدرسة، تذكر كجماعة وأحيانا يذكر أفرادها مستقلين مثل العوفي.
98
وقد تذكر مع حياته المأساة الشخصية التي مر بها مثل الإصابة بالعمى أو الأصفهاني الذي يصل إلى حد الاتهام بالكفر، والقتل مثل السهروردي واختلاف الناس في طريقة قتله، منع الطعام عنه وهو سجين، الخنق، السيف، الحرق.
99
وهناك نوادر نمطية تقال في كل فيلسوف مثل قصة مداواة ابن هندو لمن ينكر الطبيعة بوضع كتاب الطب تحت رأسه.