25
والغالب على طريقة عرض الوافد والموروث هو وضع الأسماء قبل أن تنفصل وتصبح هي بمفردها نوعا أدبيا من كتب الطبقات، ومع ذلك تبرز أحيانا بعض الأقوال كما فعل البيهقي بعد ذلك في «تتمة صوان الحكمة» واقتباس بعض الحكم والوصايا من كتاب الفرس أو بعض المحاورات مثل أفلاطون للتعبير عن أفكاره في العلاقة بين الدين وبعض موضوعات النفس والطبقة والإلهيات والأخلاق والسياسة معتمدا فيها على عرض أفكار اليونان.
26
ويورد أبو سليمان أسماء ثلاثة عشر طبيبا يونانيا على لسانه، وأسماء مائة وأربعين طبيبا يونانيا آخر على لسان يحيى النحوي؛ أي مائة وثلاثة وخمسين اسما يضمون أسماء الفلاسفة صغارا وكبارا،
27
فلاسفة ورياضيين وعلماء وحكماء وشعراء ومشرعين بألقابهم مثل الحكيم والمعلم الأول والشيخ اليوناني وشراح وأطباء. وتتكرر بعض الأسماء مثل سقراط وفيثاغورس وأفلاطون وأرسطو وأنقسيمانس وأنكساجوراس وزينون؛ فالعلم الغزير ينسي التفرد ويدفع إلى التكرار. وقد استمر هذا التقليد عند المسلمين، الطبيب هو الحكيم، وكما هو الحال في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة؛ فالطب هو الإطار المرجعي للفلسفة والأساس النظري لها.
28
ويحفظ أبو سليمان الأهمية التقريبية لفلاسفة اليونان: أرسطو ثم الإسكندر ثم جالينوس ثم هوميروس ثم هرمس ثم فيثاغورس ثم أبقراط ثم أفلاطون ثم سقراط ثم ديوجينس ثم سولون، ثم الفلاسفة الصغار الأقل أهمية. وواضح أن أرسطو وصلته بالإسكندر هو الذي ألهب خيال المسلمين النبي القائد والفيلسوف الملك الذي كان على رأس المدينة الفاضلة عند أفلاطون والفارابي. ويأتي الشعراء مثل هوميروس قبل أفلاطون. وأبقراط الطبيب يأتي في المرتبة الثانية بعد جالينوس، فأبقراط هو الطبيب في حين أن جالينوس هو الحكيم. ويأتي فيثاغورس قبل أفلاطون لأنه مؤسس المدرسة. ثم يأتي سقراط مع الأخلاقيين مثل ديوجنس والمشرعين مثل سولون.
29
ويلاحظ عدم وجود نساء فلاسفة لا في الوافد ولا في الموروث.
والغاية من الكتاب إثبات تواريخ الحكماء وأسمائهم وبعض كلامهم وأخلاقهم، الاسم والتاريخ، الشخصية والقول، إعلانا عن تولد نوعين أدبيين آخرين، أسماء الأعلام عند القفطي والأقوال عند ابن هندو والمبشر بن فاتك، بالرغم مما يغلب على الأقوال من العرض النظري للآراء دون النصوص، الأقوال المباشرة. يريد أبو سليمان هدفين؛ التاريخ، والنكت والنوادر دون الرد على المقالات؛ فقد تم الرد على المقالات في كتب أخرى.
30
كانت الغاية حفظ الوافد ونقله بتمامه وكماله وإلا زال وفقد في ثقافة تحرص على التدوين كما دون القرآن ثم الحديث.
وبالرغم من توالي الأسماء بلا نسق ونظام، والانتقال من موضوع إلى موضوع دون ترتيب إلا أن الفلاسفة يتوالد بعضهم من بعض، الآخر من الأول في منظومة حضارية واحدة مثل أنساب الآلهة والقبائل.
31
ويوحي هذا التوالي بإمكانية تأسيس فلسفة في التاريخ لم تتبلور بعد. فلا يوجد تاريخ كمي صرف لا يتحول إلى كيف فأخذ سقراط الحكمة عند فيثاغورس فأصبحت هناك مدرسة. طاليس صاحب مدرسة «طبيعية»، وفيثاغورس صاحب مدرسة أخرى (رياضية).
32
وهذا التوالي له منعطفات كبرى، خمسة من كبار الحكماء: فيثاغورس، سقراط، أفلاطون، أرسطو، زينون. ويتساوى جميع الفلاسفة في العرض القصير بما في ذلك كبار الفلاسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو؛ فالغاية هو المسح الشامل، الرؤية العامة، البانوراما الكلية، شريط الأحداث، الإحصاء من أجل الاحتواء.
33
ويعتمد أبو سليمان على مصادر شفاهية ومدونة، روايات وكتب. ويصرح أبو سليمان بالمصادر الشفاهية مثل: «سمعت الملك يقول»، «حدثني الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد مسكويه».
34
ويصرح بأنه فتش في الكتب. ويقتبس من حنين بن إسحاق من «نوادر الفلاسفة والحكماء»، ويحيى بن عدي والتوحيدي في كتاب «البصائر»، وابن النديم في كتابه الذي جمع فيه التاريخ؛ أي «الفهرست»، وعلي يحيى النحوي الذي يسميه الناس «المحب للتعب». ومن المصادر المترجمة مؤلفات أوزبيوس في الرد على هرقل فيما ناقض الإنجيل. ويشير إلى كتاب «الفصول» لأبقراط، وكتاب «تفضيل لذات النفس» لشهد بن الحسن.