35
وبعد توالي الأسماء وتوالدها بعضها من بعض، واحدا تلو الآخر، أرسطو من أفلاطون، وأفلاطون من سقراط، وسقراط من فيثاغورس، وكأننا في سلسلة من الرواة أو الطبقات، تظهر المدرسة الفكرية أو المذاهب أو بلغة المعاصرين البنية.
36
وهو ما قد يفسر التكرار؛ إذ يذكر الفيلسوف مرة في التاريخ، ومرة في البنية. هناك تقدم في تاريخ الفلسفة اليونانية حتى اكتمالها على يد أرسطو، وهو ما لاحظه ابن رشد بعد ذلك. فإن نيقوماخوس أقدم عهدا من بطليموس. وثاوفرسطس من أصحاب أرسطو خلفه على الكرسي، وكذلك أوديموس.
37
وقد تكون البنية مذهبا، وقد تكون منهجا. فالمنهج التجريبي عند الطبيعيين القائم على المشاهدة والحس هو المسئول عن المذهب الطبيعي. والمنهج العقلي عند الحكماء الخمسة الكبار هو المسئول عن الرؤية العقلية الصورية للعالم. أما جالينوس فقد جمع بين المنطق والتجربة؛ أي بين المذهبين أو المنهجين كما شهد بذلك عليه الإسكندر الأفروديسي. وهو ما فعله أيضا حنين بن إسحاق،
38
وكأن قانون التاريخ يسير من العقل، المادة، إلى رد الفعل، الصورة إلى الجمع بينهما في المادة والصورة، من التجربة إلى العقل إلى الجمع بينهما. ليس السجستاني مؤرخا مثل القفطي أو ابن أبي أصيبعة، بل هو فيلسوف يؤرخ للفلسفة،
39
يعي وحدة عمله، ويذكر بالسابق منها واللاحق، يختصر ويشرح حسب الموقف، ويعود على بدء، ويقدم ويؤخر من رؤية فلسفية شاملة.
40
ويبدع أبو سليمان فن رسم السيرة الشخصية للفلاسفة عن طريق رسم عناصر عشر أو بعض منها في شخصية كل فيلسوف وهي: (1)
الاسم ومكان الميلاد والعمر ونسبته مثل طاليس الملطي والسرخسي والقمي والحراني والدمشقي والسجزي والبغدادي والأنطاكي والصيمري والنيسابوري، ودينه مثل النصراني، ومذهبه مثل الحنفي أو الصابئي (ثابت بن قرة). (2)
النسب الفعلي مثل حنين بن إسحاق وابنه إسحاق بن حنين أو النسب المعنوي، أفلاطون شريف النسب أو الفكري عن طريق التتلمذ مثل أفلاطون تلميذ سقراط، أرسطو تلميذ أفلاطون، وأرسطو معلم الإسكندر، أو الوضع الاجتماعي مثل القطيطوس غلام سقراط، وذكر المعنى الاشتقاقي للاسم مثل أفلاطون الذي يعني العريض الواسع. (3)
الأهمية والعصر مثل أول من تفلسف في مصر، واستتباب الملك في اليونان أيام الإسكندر، وأثره في المدرسة التي أنشأها مثل تأسيس أفلاطون الأكاديمية، وأرسطو للوقيوم. (4)
اللقب الذي يدل على المهنة أو الاتجاه الفكري حقيقة أو مجازا، مثل أبقراط الطبيب، أو بروس الشاعر، أو أرشميدس المهندس، ديوجانس الكلبي، ديمقراطيس الطبيعي. جالينوس الحكيم (الطبيب). (5)
الأسفار مثل طاليس الذي أتى إلى مصر، ثم رجع إلى اليونان، ثم ذهب إلى مالطة، وأفلاطون الذي أتى إلى مصر، الهجرة في سبيل العلم. واليونان تلاميذ المصريين. (6)
السيرة الشخصية وسماتها مثل سقراط الذي أعرض عن الدنيا، وشجاعة سقراط الذي أعلن خلافه مع اليونانيين في الدين، وأفلاطون الذي عبد ربه والذي سماه أرسطو العقل أو الروحاني. (7)
علاقته بالدولة والأمراء؛ أي بالسلطة السياسية مثل علاقة الكندي بأحمد بن المعتصم، وأرسطو بالإسكندر، والسجستاني بملك سجستان وعيسى الوزير. (8)
فلسفته، مصادرها وسماتها وأساليبها، مثل استدلال طاليس بقول هوميروس، وكذلك اعتماد أرسطو على هوميروس، وتكوين سقراط وفيثاغورس وإقليدس وأرشميدس وأفلاطون مدرسة واحدة. وأرخوطوس من شيعة فيثاغورس. واستعمل أفلاطون الرمز واللغة كراهية اطلاع أحد على أسرار الحكمة ليس من أهلها كما هو الحال في «المضنون به على غير أهله»، وعدم إقدام الكسول عليها، بل العاشق لها، وتشحيذ الطبائع وإفراغ الوسع والجهد للفهم. (9)
المؤلفات وشهرتها وتصنيفها مثل تصنيف أرسطو الكتب المنطقية وترتيبه الأبواب الطبيعية والإلهية.