3
بل إن أرسطو لم يذكر إلا مرة واحدة، وأفلاطون لم يذكر على الإطلاق.
ويظهر التقابل بين الموروث والوافد في قسمة العلوم إلى علوم العرب وهي ستة، وعلوم العجم وهي تسعة، لصالح علوم العجم؛ نظرا لأنها هي التي في حاجة إلى تدوين وليس لأولويتها.
4
فعلوم العجم، اليونانيين وغيرهم، في النهاية هي علوم الوسائل، في حين أن علوم العرب هي علوم الغايات. الأولى علوم الكم والثانية علوم الكيف. الأولى علوم الدنيا والثانية علوم الدين. ولكن من حيث الكم يتساويان.
5
علوم العرب هي: الفقه، والكلام، والنحو، والكتابة، والشعر، والعروض، والأخبار، أربعة منها معروفة قبل الإسلام وهي: النحو والكتابة والشعر والعروض، والأخبار، واثنان فقط بعد الإسلام: الفقه والكلام، مما يدل على غلبة الثقافة العربية القديمة قبل أن تنشأ العلوم الإسلامية بفضل الوحي. يدخل أصول الفقه مع الفقه قبل علم الكلام للدلالة على ارتباط العلمين معا؛ أصول الفقه وأصول الدين. وتغيب باقي العلوم الإسلامية العقلية النقلية مثل الفلسفة وأصول الفقه والتصوف، وباقي العلوم النقلية مثل القرآن، والحديث، والتفسير، والسيرة، وغياب العلوم العقلية الخالصة الرياضية والطبيعية، وكأنها من اختصاص العجم وحدهم. وأكبرها الأخبار ثم الكتابة ثم الفقه والكلام والشعر والعروض، وأصغرها النحو.
6
وتشمل الأخبار قصص الأنبياء تركيبا للموروث القديم على علم التاريخ.
أما علوم العجم فتسعة: الفلسفة، والمنطق، والطب، والأرتماطيقي، والهندسة، وعلوم النجوم، والموسيقى، والحيل، والكيمياء. أكبرها الطب من حيث الكم، وأصغرها المنطق.
7
وهي تشمل الرباعي: الرياضي، الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، ثم المنطق والطب بدل الطبيعيات، والفلسفة بدل الإلهيات، ثم إضافة علمين طبيعيين، الحيل والكيمياء. وتأتي الطبيعيات قبل الرياضيات وبعدها. وعلم الحيل يجمع بين الرياضي والطبيعي. والكيمياء في النهاية دون التفرقة بين العلم والصنعة. وتغيب باقي العلوم الطبيعية كالنبات والحيوان والصيدلة.
ويخلو هذا المدخل من أسماء الأعلام وأسماء المصنفات، لا تواريخ حياة ولا أقوال. أقرب إلى إحصاء العلوم عند الفارابي مما قد يدخله أيضا في تصنيف العلوم لو كان الخوارزمي في زمرة الفلاسفة.
ويغلب على الفقه الموضوعات التقليدية بما في ذلك أسنان الإبل والبقر والخيل والغنم ومقاييس العرب وأوزانها.
8
كما يغلب على الكلام تاريخ الأديان والفرق غير الإسلامية والنصرانية واليهودية والملل والنحل غير الإسلامية، وأوثان العرب وأصنامهم، ثم أبواب المتكلمين؛ أي قواعد العقائد، وهما طريقتا التأليف في علم الكلام.
9
وفرق النصارى واليهود هي فرق اليهودية العربية وليس الغربية كما نفعل هذه الأيام.
10
والملل والنحل غير الإسلامية تشمل المذاهب المقصاة من الإسلام، مثل التعطيل والتناسخ، وإنكار المعارف غير الحسية مثل السمنية، وبعض المذاهب النصرانية مثل المرقونية والمنانية، وبعض الفرق الفارسية مثل البهافريدية والهرابذة، والسوفسطائيون اليونان، والزنادقة في كل دين وملة. وكلها تيارات وجدت داخل الثقافة الإسلامية التي استوعبت كل وافد. فالوافد الغربي والوافد الشرقي حاضران كعقائد ضمن علم الكلام. والسريانية جزء من النصرانية؛ أي المسيحية العربية، في علم الكلام.
وفي النحو يبرز الخليل بن أحمد كمصدر لغوي؛ فهو أكثرهم ذكرا من الشافعي في الفقه. كما يذكر نحويو الكوفة والبصرة أكثر من ذكر الفقهاء المتكلمين.
11
ويظهر تقابل الموروث والوافد بين الخليل واليونان؛ فالنحو منطق العرب، والمنطق لغة اليونان كما لاحظ السيرافي في مناظرته الشهرية مع أبي بشر متى بن يونس.
12
فالمورث هو حامل الوافد، والوافد محمول على الموروث. والكتاب موضوع عملي.