والسؤال الآن: هل عرفت الهند الثقافة اليونانية وهي أبعد من فارس؟ هل كانت الثقافة اليونانية منتشرة في الهند أم كانت ثقافة المسلمين حملها معه من العالم العربي؟ أم إن الهند كانت تضم إيران وأفغانستان، وكل آسيا منطقة حضارية واحدة كانت بها مدارس يونانية مثل مدرسة بلخ؟
وتستمر المقارنات مع اليهود والنصارى والعبرية والسريانية ومع المانوية في فارس ومصر وأوروبا. وكلما اقتربت المقارنات مع حضارة الأنا يتحول التاريخ إلى قراءة حتى تصبح قراءة تامة بالمقارنة مع العرب والمسلمين. ويقارن البيروني بين اليونان وبين إسرائيل وآل فارس وأنبيائهم وملوكهم. كما يقارن بين التاريخ اليهودي والتاريخ الهندي. ويربط بين الإسكندر في مصر وعبادة آمون. ويقارن بين عبادة الأصنام والمنصوبات في الدين الشعبي في اليهودية والنصرانية والمانوية مع الهند. ويطبق علم النفس التاريخي ليفسر أسباب نشأة عبادة الأصنام، من الشخص إلى الواقع المادي احتراما للشخص وتحويل ذلك إلى قانون؛ فالوثنية هي الأصل وليس التوحيد. التوحيد ارتقاء عند كل الشعوب بما في ذلك اليهود والرومان. البداية بالواقعة المحددة ثم التعميم. ويقارن بين اسم الله في الهند «أوم» وفي اليهودية.
124
ويقارن بين المانوية والنصرانية في المباح والمحظور في الطعام والشراب ويعطي لذلك تعليلا علميا كما يفعل الأصوليون.
125
ويقارن أحيانا بين اليهود والفرس وليس بين اليهود والنصارى أو الفرس والهند. ويقارن بين نظام الطوائف في الهند وفارس وبين الاختيار اليهودي ويتساءل عن سببه، هل هو سبب حرفي أو اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو ديني أو عنصري. ويقارن بين المنانية والنصرانية من خلال أقوال ماني. كما يقارن بين المجوسية والهندوكية؛ فقد أنكر زرادشت الشمنية في تسمية الشياطين. كما يقارن بين الصابئة الحرانية والثنوية المنانية مع الهند في عبادة الأصنام.
126
ويقارن بين نكاح اليهود وزواج الفرس. ويقارن اللغة الهندية باللغة الفارسية، فكلاهما لغة متسعة، وأوروبا وآسيا جناحان للعالم الإسلامي، وجبال الألب امتداد لجبال الهيمالايا التي يسميها البيروني همنت. أما الزنج فيصفهم بالبلادة والسفالة ويفسر سلوكهم على نحو اقتصادي؛ فلا تحاسد فيهم إذ لا يملكون شيئا، ولا غم ولا حزن لهم، أعمارهم أطول، لا يعرفون موتا طبيعيا وإنما ينسبونه إلى السم.
127
| ثالثا: الوافد والموروث
(1)
وهو مدخل ثان لتدوين التاريخ أقل من الحضارات المقارنة، ويكتفي بمصدرين؛ حضارة الأنا وحضارة الآخر، والآخر في الغالب هو الوافد اليوناني.
مثال ذلك «مفاتيح العلوم» للخوارزمي (387ه).
1
وهي دائرة معارف تجمع بين الموروث والوافد، بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، بين علوم العرب وعلوم العجم. وداخل الموروث الوافد يوجد تصنيف للعلوم؛ فالحضارة علوم. وداخل العلوم توجد أسماء الأعلام؛ أي العلماء الذين يبنون العلوم، وليس المصنفات كما هو الحال في «الفهرست» لابن النديم، و«تاريخ حكماء الإسلام» للبيهقي. وقد تشير هذه القسمة، العرب والعجم، إلى بعض الشعوبية؛ فقد ساهم في علوم العرب غير العرب مثل سيبويه الذي فاق العرب. كما ساهم في علوم العجم غير العجم من العرب مثل الكندي وابن رشد. والعرب والعجم مسلمون وحد الإسلام بينهم، «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».
ويبدو هذه المرة أن الوافد له الأولوية على الموروث، نظرا لحداثة الوافد والرغبة في تدوينه، وشيوع الموروث في علم الكلام وباقي العلوم الإسلامية، النقلية أو النقلية العقلية في القرن الرابع الهجري.
2
ولما كان الوافد وافدين؛ الوافد الشرقي والوافد الغربي، فإن للوافد الشرقي الأولوية على الوافد الغربي على عكس ما يقال عن حضور اليونان المطلق في الحضارة الإسلامية.