83
ومن مظاهر حياته مآسيه التي تعرض لها بالمرض مثل العمى، أو السجن والتعذيب، وهو مصير الفلاسفة باعتبارهم مفكرين أحرارا، أو القتل دسيسة بالسم أو تنفيذا للأمر بالقتل من الخلفاء والسلاطين. وأخف المآسي المواجهات الفكرية والعلمية بين الحكماء، مثل تلك التي بين ابن بطلان وابن رضوان.
84
والبعض يتقلد الوزارة، ويصاحب الأمراء، ويكون زينة البلاط؛ فقد عمل بعض الأطباء بالسياسة، والسياسة لها مخاسرها أولا ومكاسبها ثانيا. ومخاسرها أكثر من مكاسبها. ربما يمدح البعض السلاطين مثل أبي الحكم.
85
بل إن البعض كتب مؤلفات إلى الأمراء والسلاطين والدعاء لهم بما في ذلك كتاب ابن أبي أصيبعة. وهذا لا يمنع من تشجيع بعض السلاطين والأمراء العلم والعلماء كما حدث أيام العباسيين في بغداد في عصر الانفتاح والنصر الأول، وأيام الأيوبيين في مصر في عصر رد الغارة الأولى على العالم الإسلامي من الصليبيين. (4)
وقد يؤرخ لحضارة واحدة خاصة تكون هي الأساس التي تتم عليه المقارنة مع الحضارات الأخرى، مثل الحضارة الهندية، من مؤرخ عربي مسلم، مما يدل على أولوية الشرق على الغرب، والهند على اليونان ضد أسطورة المركزية الأوروبية والعبقرية اليونانية. ومثال ذلك «تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة» للبيروني (440ه).
86
ويمكن اعتباره أيضا في تاريخ الفرق غير الإسلامية؛ أي جزءا من علم الكلام مثل «الملل والنحل» للشهرستاني، ولكنه لا يتضمن عرضا للفرق الإسلامية أو لنسق العقائد بشكل تفصيلي، بل لفرقة غير إسلامية واحدة؛ ومن ثم كان أقرب إلى تاريخ عام للحضارات. ويعتبر البيروني كتابه ضد كتاب المقالات وتشويهها. وقد فعل مسكويه نفس الشيء مع فارس وحدها في «الحكمة الخالدة» مع ترجمة لجاويدان خرد ومقارنات مع اليونان الوافد الغربي ومع الحضارة الإسلامية، حضارة الآخر الشرقي مع الآخر الغربي مع حضارة الأنا.
87
ويتحقق البيروني أولا من صدق الروايات وصحة المصادر كما فعل ابن خلدون بعد ذلك في المقدمة قبل تدوين التاريخ من أجل معرفة الخبر الصادق من الخبر الكاذب. وينقد الأخبار عن جهل وتقليد المخبرين والتسليم برواياتهم. كما ينقد المصادر في كتب الفرق التي تعتمد على المنحول والمخلوط والروايات الخاضعة للأهواء، والمبالغة في ذكر المذهب كما فعل الإيرانشهري مع المانوية، والاعتماد على الروايات الشعبية دون تمحيص كما نقل الإيرانشهري عن زرقان في دراسته فرق الهند عامة والشمنية خاصة، والحجاج مع الخصوم. بل قد يتعدى الأمر إلى أخطاء النساخ والأعراض عن الترتيب المعروف. ويحكم على روايات الإيرانشهري بأنها غير محصلة أو عن غير محصل، وكذلك روايات ابن طارق.
88
ويمكن تصحيح الأخطاء بالمراجعة على كتب الأوائل أو بالمراجعة على الواقع المشاهد.
ويعترف «بتعذر استشفاف أمور الهند لأجل القطيعة» مما يدل على أن الغاية من الحضارات المقارنة، ورؤية حضارة الآخر من خلال حضارة الأنا هو التواصل بين الحضارات.
89
فالحضارات متصلة تاريخيا وبنيويا، واقعيا وذهنيا. وفي لحظات الخطر أو الضعف ينشأ التمايز بينها إلى درجة الانفصال والتعارض. ويحدد البيروني أسباب القطيعة في دراسة الهند في خمسة أسباب: الأول اللغة الهندية طويلة عريضة، تشبه اللغة العربية، تسمي الشيء الواحد بأسماء متعددة، وتطلق الاسم الواحد على عدة مسميات، ويقع فيها خلاف بين القصص والعامية، وعدم مطابقة حروفها للعربية، بالإضافة إلى أخطاء النسخ المقارنة باللغة العربية واللغة الفارسية. والثاني بسبب الديانة وطائفة المنبوذين والاستنكاف منها. والثالث العمل الاجتماعي والعادات والرسوم والزي مما يجعلها أقرب إلى الوثنية. والرابع العامل السياسي، وعداوة الشمانية للبراهمة، حتى قضى عليها زرادشت. والخامس التنافر الأخلاقي مع ديانات الهند.