تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعتمد البيروني على النصوص المقدسة الهندية؛ أي على المصادر الأولى، وليس فقط على كتب التاريخ؛ فالدين أصل الحضارة ومنبعها الأول. وقد ترجم منها البيروني نصين؛ «سانك» و«باتنجل» كنموذجين؛ الأول في مبادئ الموجودات، والثاني في تخليص النفس من البدن.

90

وهو يؤرخ للدين الخالص وفي نفس الوقت للدين الشعبي، الدين من حيث هو دين، دين البشر الواحد قبل أن يتجزأ في ديانات شعبية طبقا لاختلاف الزمان والمكان وتعدد الشعوب والأوطان. ولما كان الدين بؤرة الحضارة، يصبح تاريخ الدين تاريخا اجتماعيا وسياسيا وحضاريا شاملا. وفي التعامل مع النصوص، يذكر أسماء الكتب، ويقتبس النصوص، ويذكر أسماء الكتب المقدسة.

ويستعمل البيروني القرآن كمصدر للأخبار. كما يستعمل الكتب المقدسة السابقة مثل الإنجيل استعمالا معنويا وليس كشواهد نصية، احترازا من قضية التحريف.

91

كما يعتمد على منهج الملاحظة والمشاهدة، فالتنظير المباشر للواقع أفضل من الرواية الشفاهية والنص المدون، بل إن المشاهدة مقياس للتحقق من صدق الخبر، «ليس الخبر كالعيان»،

92

بالرغم مما قد تخضع له المشاهدة أيضا من خطأ في الإدراك أو التفسير.

ومن عناصر المنهج التاريخي عند البيروني يمكن التعرف على فلسفة كاملة للعلوم التاريخية تقوم على علم النفس التاريخي، وعلم الاجتماع التاريخي، مثل حب الشكر والمدح أو الذم والقدح كبواعث ودوافع لكتابة التاريخ. ويمكن تحديد المنهج التاريخي عند البيروني أيضا بأنه يقوم على العرض الموضوعي مع أقل قدر من النقد في حالة الأخطاء الشنيعة التاريخية أو العقائدية والمصطلحات والتعريف بها، ثم النقل عن المصادر كشواهد ودون الإحالة إلى الماضي أو إلى المستقبل والاكتفاء بتحليل الحاضر.

ويعتمد البيروني على مصادر مكتوبة وروايات شفاهية في آن واحد، وعلى المشاهدة والملاحظة في آن واحد، مما يجعل الكتاب أقرب إلى التجميع منه إلى التأليف. وقد كان ذلك سنة القدماء.

93

وقد يوحي ذلك أحيانا بالاستطراد والتجميع غير الدال، مثل مقارنة علم العروض العربي والهندي والفرسي؛ فالعلم معلومات، والمعلومات علم.

94

وتوحي هذه التواريخ التفصيلية أنها نقل من مصادر وليست بناء على حساب شخصي. وقد تعلم البيروني اللغة السنسكريتية، وعرف الحضارة الهندية من مصادرها الأصلية وليس من ترجمات عربية سابقة عليه. ويعرض العقائد مدعما بالنصوص مثل كتاب باتنجل، كتيا، بهارت، سانك. وربما لم يعتمد على مصادر عربية أو هندية سابقة كتبت قبله ذكرت الهند، بالرغم من اعتماده أحيانا على مؤرخي المغرب، هذا الصقع البعيد، مما يدل على وحدة الأمة وتواصلها.

95

وربما اعتمد البيروني على مترجمين كما اعتمد على كتب التاريخ الإسلامي كمصادر.

96

اعتمد على المصادر الهندية الأصلية. ويحيل البيروني إلى باقي مؤلفاته مما يدل على وحدة عمل المؤلف كمشروع فكري.

97

كما يبين الأسلوب وحدة العمل بالعود على بدء، وبالتذكير بما سبق، وبعبارات الربط بين الأبواب، وبالإحالة إلى ما سيأتي، وبإرجاء بعض الموضوعات إلى مناسباتها.

98

وبالرغم من أن البيروني يبدأ من التاريخ، إلا أن التاريخ ليس هو تاريخ الحوادث بداية من الجغرافيا والتاريخ الطبيعي وانتهاء بالتاريخ السياسي والاجتماعي، بل هو التاريخ الحضاري وبؤرته تاريخ الأديان والثقافات والشرائع، انتقالا من التاريخ غير الدال إلى التاريخ الدال؛ فالتاريخ ليس مجرد حوادث تاريخية، بل حقائق نظرية أو بنيات ذهنية.

99

وتغيب الدلالة أحيانا لحساب التاريخ، وإعطاء أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الهند.

100

ويذكر الأنهار ومخارجها وممارها على الطوائف في استدراك جغرافي. ويعطي معارف شتى من بلادهم وأنهارهم وبعض المسافات بين ممالكهم وحدودهم، إلا أن كثرة ورود أسماء الأعلام والكتب والأماكن وترجمة النصوص، قد تمنع من تسلسل الأفكار وفهمها دون ردها إلى حواملها التاريخية، مما يدل على أهمية حذف هذه الأسماء كلها من أجل الإبقاء على الأفكار كما هو الحال في المراحل التالية في التلخيص كما فعل ابن رشد في «تلخيص الخطابة». وفي النصف الثاني من الكتاب تقل الأفكار والحضارات المقارنة وتزيد الوقائع والتاريخ المحلي، وكأن البنية قد بدت قبل التاريخ، والكليات قبل الجزئيات. وبالرغم من سيادة أحيانا النزعة التاريخية، إلا أن الوصف الاجتماعي أحيانا يفوق «المقدمة» لابن خلدون. فيصف الزي الشعبي كثقافة وحضارة، والأعياد والعادات والتقاليد. فلا فرق بين العقائدي والشعائر، بين النظر والعمل. ويذكر النظام الاجتماعي، نظام المنبوذين والذي يسمى ألوان.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٤٩